أثر غياب السلطان في التعدي على القرآن

716

إن مجرد تهديد القس الأميركي “تيري جونز” بحرق القرآن لهو فاجعة حري بها أن تسلط الضوء على حقيقة المزاج العام السائد في الغرب، وعلى حقيقة واقع المسلمين، وعلى حقيقة المطلب العملي للمسلمين للخروج من مأزقهم التاريخي.

[quote_right]لم تعد الإساءات للإسلام حوادث منعزلة بل باتت سياسة مقصودة[/quote_right]، من إعلان بوش الابن الحرب الصليبية، إلى إساءة بابا الفاتيكان للرسول عليه السلام بتصريحاته المشينة، إلى الرسوم الهزلية الدنمركية فالفيلم الهولندي فتنة، واليوم قضية حرق القرآن. إن تتابع هذه الحوادث يكشف عن مزاج غربي سائد تجاه الإسلام يوصّفه البعض بـ”الاسلاموفوبيا” ويوصّفه البعض الآخر بصراع الحضارات، وهو في حقيقته استنفار حضاري اتجاه الأمة الإسلامية واتجاه مبدئها الذي يوجد الأرضية الممانعة لسيادة حضارة الغرب الرأسمالية بل والذي يوجد ويوجه العمل السياسي الإيجابي نحو إيجاد حضارة بديلة تهدد وجود الرأسمالية وأصحابها.

إن استنكار حكام أميركا وأوربا وغيرهم من مسئولين للتهديد بحرق القرآن، لا علاقة له بالمسلمين وعقيدتهم ومقدساتهم، بل هو متعلق مباشرة بسلامة جنودهم ومواطنيهم ومصالحهم وأمنهم، كما صرحوا بذلك.

بل إن الراصد لبعض المواقف الرسمية في هذا الصدد يتكشف له مدى النفاق والتضليل، بل يتكشف له مدى انعكاس حوادث الإساءة للإسلام ومقدساته لحقيقة مقاصد المستوى الرسمي الغربي. ومن ذلك ما أقدمت عليه المستشارة الألمانية ميركل في 8 سبتمبر 2010م من تكريم الرسام سيء الصيت والسمعة صاحب الرسومات المسيئة للرسول الأكرم عليه السلام في الوقت الذي تستنكر فيه تهديد القس الأميركي جونز بحرق القرآن! ومن ذلك أيضاً إعلان الملكة البريطانية اليزابيث الثانية الكاتب سلمان رشدي – صاحب كتاب آيات شيطانية – فارساً، تقديراً لإنجازاته الأدبية! ومن ذلك أيضاً تصريح وزير الداخلية الألماني في 27 فبراير 2008م داعياً جميع الصحف الأوروبية لإعادة نشر الرسوم المسيئة إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم. وقد سبق تلك الدعوة بأيام قيام سبع عشرة صحيفة دنماركية بإعادة نشر تلك الرسوم المسيئة التي سبق ونشرتها إحدى الصحف الدنماركية قبل ذلك بنحو سنتين، أي نشرها بعد استنكارات المسلمين واسعة النطاق!

إن الزعم الغربي بأن هذه الأقوال والأفكار تتسق مع فلسفة الليبرالية الغربية ونظرتها للحقوق والحريات، لهو زعم باطل. وإلا فهل يجرأون على أن يذكروا بسوء ما أعلنه اليهود من محرقتهم (الهولوكوست) حتى وإن كانت معهم ألف حجة وحجة من حرية التعبير؟! في هذا السياق، نذكَر بأن مجلس الشعب الفرنسي قد أقر عام 1990م قانون “فايبوس- جيسو” الذي يحظر مناقشة حقيقة وقوع الهولوكوست في الحرب العالمية الثانية، وهو القانون الذي تمت على أساسه محاكمة المفكر الفرنسي المسلم “روجيه جارودي” بسبب نشره كتابه ” الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيليلة”.

إن السؤال الكبير الذي يفرض نفسه: ما السبب في استضعاف المسلمين، والإساءة إلى مقدساتهم في تحدٍ صارخ، واستفزاز ساخن دونما خوف ولا وجل؟! ولماذا (كلفة) الإساءة للإسلام، ولنبي الإسلام، وللقرآن، هي عند الغرب (كلفة) قليلة بل معدومة، فلا تبعة تكون عليهم، لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا حتى عسكرياً؟

الجواب باختصار أن [quote_right]الأمة الإسلامية لم تعد مرهوبة الجانب كما يجب أن تكون وكما كانت في تاريخها التليد[/quote_right]. التاريخ الذي يذكر، مثلاً، أن برنارد شو ذكر في مذكراته سنة 1913م، أي في عهد ضعف الخلافة العثمانية، ذكر أنه مُنِعَ من إصدار رواية فيها شيء يسير يمس بالرسول صلى الله عليه وسلم ، فمنعه اللورد شمبرلين (Chamberlain) خوفاً من رد فعل سفير دولة الخلافة العثمانية في لندن!

واستطراداً أقول، لقد تم، بفعل عوامل متعددة، بلبلة الفكر لدي المسلمين وحرف الذهن عن طريقة الإسلام والأحكام الشرعية المتعلقة بحل مثل هذه المشاكل، فصار الرد على إهانة الرسول الأكرم عليه السلام تنديدا هنا أو صيحة وغضبة هناك على المستوى الشعبي، أما المستوى الرسمي فقد تم فرش السجاد الأحمر للبابا عند زيارته المنطقة بعيد الإساءة بأيام!

إن الإسلام ينظر لهذه الأعمال على أنها إعلان حرب، والمفترض أن لا يغيب عن الذهن ماذا يعني ذلك، ولكنه مع الأسف غاب، مع غياب الإسلام عن التطبيق في واقع الحياة، ومع تراكم الأتربة على فهم الإسلام وطريقته في الحياة. إن الحكم الشرعي يوجب على المسلمين افتداء دينهم بالمهج والأرواح، ويوجب ردع من يتطاول أو يفكر بالتطاول على حرمات الدين بل وأعراض المسلمين كما حصل في تعدي يهودي على عرض امرأة فكان ذلك نقضاً لعهد بني قينقاع مع رسول الله عليه السلام فكان أن أجلاهم عن المدينة المنورة.

إن مستوى الأحداث المسيئة للإسلام ورسوله والقرآن، قد تجاوز الأنظمة السياسية في بلاد المسلمين، والتي إن صحت من رقادها، لم تتجاوز سقف التنديد والشجب والاستنكار والتعبير عن بالغ القلق! ثم إن فاقد الشيء لا يعطيه ولا يوليه اهتماماً، فكيف بمن عطل القرآن أن ينتصر له، وكيف بمن عطل السنة بل وأنكرها أن يدافع عن صاحبها وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وكيف بمن يوالي أعداء الله أن يؤذيهم؟!

إن هذه الحوادث المسيئة للإسلام ورسوله والقرآن الكريم لا بد أن تدفع المسلمين لأن يعيدوا النظر بجدية في غضبتهم ووجهة حركتهم، ويجب أن تكون الحركة والحديث والغضب تجاه حالنا الذي نعيشه. فها نحن نرى رأي العين ونسمع سماع الأذن ونلمس لمس اليد، أن أرواحنا تزهق وأعراضنا تنتهك ومقدساتنا تهان وثرواتنا تسلب وبلادنا تحتل. كل شيء مستباح، ولا تستطيع الأمة أن ترد عنها ذلك، وإن غضبت فهي لا تملك أن تحول الغضب الى عمل يرد لها حقها ويفرض هيبتها على أعدائها.

إن الحركة لا بد أن تكون جادة و”جذرية” ، أن تتوجه نحو استئناف حياة إسلامية تلتحم بها الأمة وقيادتها، وينطلق الجميع من عقيدتهم ويطبق الجميع أحكام إسلامهم، من خلال كيان سياسي مخلص يرعى المسلمين وإسلامهم [quote_center]فالخليفة أو الإمام “راع وهو مسؤول عن رعيته” و” الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به”[/quote_center]، يحكم فيهم بما أنزل الله ويجاهد بهم في سبيل الله، تكون الأمة ومقدراتها وجيوشها وثرواتها كلها موجهة نحو خدمة الإسلام ورسالته في الحياة، فتكون الحياة على الإسلام ومن أجل الإسلام، ويكون الموت على الإسلام ومن أجل الإسلام.