سندات الخزينة الأميركية محق لثرواتنا

تهيمن على العالم أخبار ومستجدات أزمة الدين الأميركي الفيدرالي العام، وانعكاساته الخطيرة على الاقتصاد الأميركي والاقتصاد العالمي بشكل عام.  ذلك أن أميركا، وباختصار، عمدت إلى الانفاق الكبير نتيجة لحروب العراق وأفغانستان والأزمة المالية وغير ذلك، وتراكمت عليها التزامات مالية هائلة في الداخل والخارج نتيجة استدانات غير مباشرة عبر سندات الخزانة، ما أدى إلى اقترابها من سقف الاستدانة المسموح به (14.3 تريليون دولار)، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر على قدرة أميركا على الوفاء بقيمة هذه السندات، وسيكون مصير هذه السندات متأرجحا بين الشك في استرجاعها كاملة والانخفاض الكبير في قيمتها!! فإذا علمنا أن الاستثمارات الخليجية تقدر بـ400 مليار دولار أميركي في سندات الخزانة الأميركية فهذا يعني بدون شك، أن هذه الأموال في مهب الريح!!

ومما يجدر الإشارة له، أن العالم يقف على قدم وساق، مشدود الأعصاب، وهو يراقب تداعيات أزمة الدين الأميركي، بالإضافة إلى أزمة الإفلاسات في منطقة اليورو، إلا أن المسؤولين في البلد والمنطقة يغطّون في سبات عميق وكأن الأمر لا يعنيهم، وكأن أمر مئات المليارات لا يستحق تصريح واحد على الأقل!! لماذا الصمت المريب حول استثمارات بمليارات الدولارات، بدون مبالغة، معرضة للتبخر؟!

فإن صرّح أحدهم فهو كحال وزير المالية الكويتي في جوابه لسؤال النائب وليد الطبطبائي حول الاستثمارات الكويتية في الخارج في 26 يونيو 2010 حيث قال: ..إلا أنه ونتيجة للإجراءات التي قامت بها الهيئة العامة للاستثمار منذ مدة طويلة ومنها تخفيض نسبة الاستثمار في الأسهم وزيادة نسبة الاستثمار في السندات…كان لها أكبر الأثر في تخفيف حدة الانخفاض في معدل أداء احتياطي الأجيال القادمة”.  فهو بهذه الاستراتيجية (العبقرية!) قد خرج من الرمضاء إلى النار؛ خرج من أسواق المال المأزومة إلى سندات الخزانة المُفلسة! فبئس الاستراتيجية.

وللتذكير، فقد أكد تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (انكتاد) ان الصندوق السيادي الكويتي كان أكثر الصناديق خسارة بين الصناديق الخليجية، بتسجيله لخسائر بلغت نحو 41% في عام 2008، وبما يعادل 94 مليار دولار أميركي. (القبس 27 سبتمبر 2009 بتصرف يسير).

فالأمر جلل وليس بالهزل!

هذا جانب واحد من الأزمة، أما الجوانب الأخرى فمتعلقة بارتباط عملاتنا بالدولار، وتقويم نفطنا بالدولار، وتراكم احتياطيات دولار كبيرة، فإذا هوى الدولار- كما هو حاصل- هوت معه العملات والنفط والاحتياطيات!

قد كتبت في 30 يونيو مقالا بعنوان “ مليارات الاستثمارات الخارجية في مهب ريح الأزمة العالمية”، وأجد نفسي أكرر وأذكر بما قلته هناك، أنه من اللازم تغيير السياسات المالية والاستراتيجيتها الاستثمارية، وأن نخرج من أسر تفكير وقواعد الأمر الواقع والأمر المفروض أميركيا وغربيا، وأن نفكر بشكل جذري وجاد في الحل. إن الواجب اليوم أخذ أربع خطوات: 1) سحب استثماراتنا وأموالنا من أميركا والغرب،  2) إيقاف تصدير الأموال لأسواقهم،  3) تخفيض انتاجنا من النفط والغاز ليكون بالقدر الذي نحتاجه وليس بالطاقة القصوى بالقدر الذي تحتاجه أميركا والسوق العالمي! 4) بيع النفط بالذهب وليس بالدولار أو اليورو أو أرقام الكترونية في بنوك الغرب! وكذلك تحويل الفائض من الأموال إلى ذهب وحفظه كاحتياطي فى خزينة الدولة.

وأجد نفسي كذلك ملزما لأن أشير إلى أن استثمار أموال المسلمين في المؤسسات الربوية وأدواتها المالية حرام شرعا “ يمحق الله الربا ويربي الصدقات” أي يُذهب بركته وإن كان كثيرا.  روى ابن مسعود عن النبي عليه السلام أنه قال “ إن الربا وإن كثر فعاقبته إلى قل”.  والمحق هو النقص والذهاب، ومنه محاق القمر وهو انتقاصه.

إن علينا رفع الصوت للمطالبة والضغط لإنفاذ مثل تلك الإجراءات التي ذكرتها، فإلى متى تهلك ثرواتنا في أزمات الغرب الاقتصادية؟ وإلى متى تُستنزف ثرواتنا في نظامهم الرأسمالي الفاسد؟ وإلى متى نخسر ثرواتنا في شركاتهم وبورصاتهم الفاسدة؟

ختاما أقول إن هذه الإجراءات وما شاكلها سهلة يسيرة على من وفقه الله، واضعا مصلحة الأمة نصب عينيه، متخذا من أحكام الإسلام أساسا لحركته السياسية والاقتصادية، سائرا على هدى ونور من ربه، أما من جعل نصب عينيه الأسواق المالية والسندات الربوية، واتخذ من إرضاء أميركا أساسا لحركته الاقتصادية والسياسية فأنى يكون له نور من ربه؟!