“الدولار عملتنا ولكنه مشكلتكم”

لقيت دعوة روبرت زوليك رئيس البنك الدولي المتعلقة بإعادة الذهب جزئياً إلى النظام النقدي العالمي أصداءً واسعةً في أوساط المال والإعلام العالمية. حيث قال في مقال خص به صحيفة الفاينانشال تايمز في 7 نوفمبر أن العالم بحاجة إلى نظام جديد لخلافة نظام “بريتونوودز الثاني” الخاص بنظام العملات العائمة، التي كانت تعمل في نظام تقييم العملة بسعر فائدة ثابت مرتبط بالذهب الذي انهار عام 1971 وأنه “يجب أن تنظر أيضا في استخدام الذهب كنقطة مرجعية دولية من توقعات السوق بشأن التضخم والانكماش وقيم العملات في المستقبل”. وأضاف زوليك أنه “على الرغم من الوضع الحالي لتقييم العملات، فإن الأسواق تستخدم الذهب كأصل بديل للعملة النقدية اليوم”.

قرأت مقال زوليك في الصحيفة اللندنية، ولم يتضح لي مقصوده تماماً في مقترحه “الذهبي”، ولكنني أجدها فرصة “ذهبية” لإلقاء الضوء على هذا الجانب المهم من الاقتصاد والمتعلق بالجانب المالي منه.

تاريخياً، كان العالم كله يسير على قاعدة نظام الذهب حتى الحرب العالمية الأولى، وكانت النقود المتداولة عبارة عن قطع ذهبية وأوراق نقدية تقبل التحويل إلى قيمتها من الذهب، وكان معه نظام الفضة أيضاً، وقد كان لتطبيق هذا النظام أطيب الأثر في العلاقات الاقتصادية، ولكن حين أُعلِنت الحرب العالمية الأولى سنة 1914 عمدت الدول المتحاربة إلى اتخاذ إجراءات جعلت نظام الذهب يضطرب، حتى جاء عام 1971م حيث أعلن الرئيس الأميركي نيكسون وقف العمل بنظام الذهب وفك الارتباط بين الذهب والدولار، فصار الذهب من ذلك الوقت لا علاقة له بالنقد وإنما هو مجرد سلعة من السلع. وقد أرادت أمريكا من وراء ذلك جعل الدولار الأساس النقدي في العالم حتى تتحكم في السوق المالية الدولية وتهيمن عليها، وبذلك لم يعد نظام الذهب معمولا به في العالم، فاختل النظام النقدي وتقلبت أسعار الصرف، وبدأت المشاكل العميقة تظهر في نظام النقد العالمي. وفي هذا السياق اشتهر قول جون كونالي، وزير الخزانة في عهد الرئيس نيكسون، حينما خاطب الأوروبيين بعبارته الشهيرة «الدولار عملتنا، لكنه مشكلتكم» .

في كتابه القيم (أزمة نظام – الرأسمالية والعولمة في مأزق) ينقل الدكتور عبد الحي زلوم عن “بن بيرنانكي” رئيس البنك الفيدرالي الأميركي قوله” تملك الحكومة الأمريكية تكنولوجيا تدعى المطابع، التي تسمح لها بإنتاج ما ترغب به من أوراق الدولارات وبدون كلفة تذكر… ففي ظل نظام الأوراق النقدية، تستطيع الحكومة، إذا ما أرادت توليد المزيد من الإنفاق والمزيد من التضخم الإيجابي”. ونتيجة لهذه السياسة، أصبح يوجد خارج الولايات المتحدة من الأوراق النقدية الأمريكية (الدولار) ما يزيد على 2500 مليار دولار.”

إن الفشل الذي أفرزه النظام الرأسمالي في النقود هو أن الأنظمة كلما احتاجت إلى المال ولم تجده في الإنتاج والقروض، لجأت إلى طبع الورق وإدخاله في دائرة الاقتصاد، فتتآكل بذلك أموال كل الشعب، بل وأموال كل الشعوب إذا كانت عملة الدولة الطابعة عملة عالمية كالدولار مثلا. ذلك أن الأصل في الكتلة النقدية أن تغطى بالإنتاج الحقيقي لدى أي دولة، وعندما يتم طبع نقود جديدة بلا غطاء، يجعلها تدخل دورة الاقتصاد دونما أي مقابل، مما يؤدي إلى انخفاض القيمة الشرائية للعملة، فألف دولار مثلا في جيبي اليوم، تصير بعد سنة – هي ذاتها – تسعمائة دولار!

ووضعاً للأمور في سياقها، أقول إن الضربات والأزمات صارت تترى ومتركزة في أركان النظام الرأسمالي، ففي 2008م كان تسونامي البنوك والأسواق المالية وشركات التأمين، واليوم حرب العملات التي تضرب في صميم أسس النظام النقدي العالمي، وبينهما سياسات وإجراءت الحمائية المخالفة تماماً لسياسات السوق الحرة والمفتوحة، فصار لدينا في النهاية مجموعة لعلامات اهتزاز وتخبط إن لم يكن هرم واحتضار؛ الفائدة الربوية قريبة من الصفر والثقة مهزوزة في الأسواق المالية والنقد الإلزامي يخوض حرب مع نفسه وحرية الملكية هي الأخرى تأكل نفسها، فماذا تبقّى كي تظهر الرأسمالية فعلا على حقيقتها وينبذها أهلها والعالم أجمع؟

تبقى أن يظهر منافساً حضارياً جديداً، بعقيدة صحيحة يطمئن لها العقل وتمتلئ بها النفس طمأنينة، ينبثق عنها أنظمة وأحكام صحيحة تسير بالإنسان في الحياة سيرا سوياً، ولا يمكن أن تكون هذه الحضارة غير الإسلام، بعقيدته وخلافته الراشدة وأنظمته.

والناظر في النصوص الشرعية يجد أن النقد في الإسلام تعلقت به ورُبطت به أحكام شرعية. فتحريم كنزه، ووجوب الزكاة فيه، وجعْل أحكام الصرف له، وإقرار الرسول عليه السلام للتعامل به، وربط الدية والقطع في السرقة به، كل ذلك يشكل دليلاً واضحاً على أن النقد في الإسلام يجب أن يكون من الذهب والفضة، أو أساسه الذهب والفضة.

أما فوائد نظام الذهب، والفضة، فعديدة، منها أن هذا النظام لا يعرض العالم فجائياً لزيادة المتداول منه، كما يحصل في العملة الورقية (كما حصل قبل أيام في طباعة أميركا لـ 600 مليار دولار وضخها في السوق!) وبذلك يأخذ النقد صفة الثبات والاستقرار، وتزداد الثقة به. ومن فوائده أنه لا يمكن للدولة التوسع في إصدار أوراق النقد، ما دام ورق النقد قابلاً للتحويل إلى ذهب وفضة بسعر محدد، فيقضى بذلك على التضخم والمشكلة المزمنة في انخفاض القوة الشرائية للنقد الورقي غير المغطى، ومن فوائده أيضا استقرار أسعار الصرف بين عملات الدول.

يزعم منتقدو نظام الذهب عدم كفاية الذهب الموجود في العالم للعودة إلى قاعدة الذهب كما كان في السابق وعدم كفاية الذهب لتقديم ما يلزم من نقود للعمليات التجارية. وهذا الزعم ينهدم حينما ندرك أن الذي يهمّ الناس ليس كثرة النقود في الحقيقة، بل قدرتها الشرائية. وقد كانت قدرة الوحدة الذهبية الشرائية كبيرة، وأوجدت الثبات والاستقرار، وسبّبت الرخاء والازدهار، بينما كان التوسع في طبع النقود الورقية غير النائبة سبباً لما يعانيه العالم من مشاكل اقتصادية، ومالية ضخمة، وزاد التضخّم، مما أدّى إلى انخفاض القيمة الشرائية للنقود الورقية. بل إنه صار اليوم يتكرر على أسماعنا كثيرا القول بأن الذهب هو “الملجأ الآمن” في وقت الأزمات، فلماذا يا عقلاء نترك الآمن والمستقر ونلجأ إلى الخادع المضطرب؟