مقالات أعظم الله أجركم في السودان

أعظم الله أجركم في السودان

584

في غمرة الأحداث التاريخية التي تحصل في تونس ومصر التي رفعت معنويات الأمة إلى السحاب، ثمة ملف قاتم السواد سيلقي بظلاله علينا بعد أيام، وأقصد بذلك قضية “تقرير مصير” جنوب السودان… فكان هذا المقال.

يحدثنا التاريخ القريب، قبل ما يقارب مائة عام، أن الراكب كان يحمل أمتعته من بغداد قاصداً الخرطوم لا يخاف إلا الله والحيوان المفترس، أما اليوم فإن هذا الراكب سيواجه على أقل تقدير إثني عشر مركزاً حدودياً، يجب أن يبرز في كل منهم هويته، وإذناً للدخول، مع تفتيش كامل متاعه، هذا إن حالفه الحظ وسُمح له بالمرور.

إن ما تمر به منطقة السودان لا يعدو كونه فصلا من مسلسل تقسيم أوصال الأمة الإسلامية الذي بدأ في عام 1915م بمفاوضات سرية بين الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا بيكو والبريطاني مارك سايكس، التي تمخّضت باتفاقية ما تمسى بسايكس بيكو. وقد استمرت حالات التقسيم هذه في بلاد المسلمين ولم تنتهي بهذه الاتفاقية، وآخرها اليوم تقسيم السودان، ولكن هذه المرة برعاية أميركية أوروبية.

إن المتتبع لأخبار جنوب السودان سيجد أن مساحتها 640 ألف كيلو متر مربع، أي ما يقارب ثلث السودان، وعدد سكان يتراوح ما بين تسعة وعشرة مليون نسمة، وفيها ما يقارب 85% من احتياطي بترول السودان، وغيرها من الثروات الطبيعية صعبة الإحصاء. كل هذا سيُقتطع من بلاد المسلمين ليكون كياناً منفرداً بجيشه وثرواته وناسه. وإن حزنّا اليوم على السودان لا نحزن على الأرض والثروات، لأنه لا فرق بين حكومة السودان وحكومة جنوب السودان، فكلاهما لا يرعى شئون الأمة بالإسلام، ولكننا نحزن اليوم ونعزّي أنفسنا على اقتطاع بلاد المسلمين وزرع كيان صهيوصليبي في قلبها يكون حاجزاً جديداً غير إسرائيل ليحول دون وحدة الأمة أو عقبة أمام هذه الوحدة، خاصة أن فصل جنوب السودان وربطه بالاستفتاء سيكون سابقة خطيرة لتقسيمات قادمة مرجعها الاستفتاء.

إن جعل الاستفتاء مرجعية لتحقيق المصير قد يكون منتجاً في حالات معينة، لا يكون فيها تحدياً لشرع الله، ولا هي من قبيل الاختصاص، كما أشارت الأغلبية على رسول الله صلى الله عليه وآله ومسلم أن يقاتل في أحد خارج المدينة وأخذ برأيهم، ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يقبل برأيهم في صلح الحديبية لأنه كان تشريعاً من الله. وإذا ما وقفنا على وحدة بلاد المسلمين سنجد أنها تشريع من الله لا يجوز التهاون فيه، قال تعالى: ((واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا))، وقال عليه الصلاة والسلام: ((من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن ‏يشق عصاكم ‏أو يفرق جماعتكم فاقتلوه))، لذلك فإن هذا التقسيم حرام شرعاً القيام فيه، ولا تجوز بأي حال من الأحوال مشاركته أو تأييده.