الشرق يصنع ثورته… والغرب يسرقها

927

إذا ما تتبعنا الحركة التاريخية التي تحدث في بلاد المسلمين سنجد أنها حركة أمة واحدة، وبشكل عام ذات مشاعر واحدة، وقد يرجع السبب في ذلك إلى أن هذه المنطقة وأقصد الشرق الأوسط قد عاشت بشكل عام في ظروف واحدة، وعانت معاناة واحدة، ورزحت تحت ضغوط متشابهة. فبالرجوع إلى التاريخ وبعجالة سريعة يتبين لنا أن هذه المنطقة هي منطقة مسلمين، عاشوا فيها وعمروها وحكموها مئات السنين، وكانت هذه المنطقة بلاداً واحدة غير مجزّءة، تحت نظام واحد وهو نظام الإسلام.

أما بعد تتابع نكبات المسلمين واحدة تلو الأخرى، وتقسيم بلادهم وإزالة الإسلام كنظام للحكم في الدولة، وكل ذلك كان بمراقبة وإشراف الاستعمار، هنا حصلت الفوضى، الفوضى الفكرية والنفسية عند الأمة، حيث أنها أمة إسلامية في الوقت الذي تتحاكم فيه إلى دساتير وقوانين وضعية. ما تعرفه وتتعبد فيه أن المسلم أخو المسلم، بينما معاملاتها قائمة على جنسيات وطنية وحدود سياسية وقوانين إقامة تزرع الفوارق وتحفر الخنادق بين المسلمين.

هذا أمر، أما الأمر الأهم فهو الأنظمة التي حكمت هذه البلاد، حيث إنها أنظمة جاءت برعاية غربية سواء أوروبية أو أميركية، لتكون حارسة على ثروات البلاد من جهة، وللحيلولة دون عودة الأمة واحدة كما كانت من جهة أخرى، لذلك كانت سياسات الإفقار والترهيب وتكميم الأفواه وملء السجون وحتى القتل إن لزم، ولم تخل هذه الأنظمة من سياسات الترغيب وشراء الذمم والإغداق في بعض الحالات. لذلك كان التشابه بشكل عام في الضغوط التي وضع تحتها الناس أو الشعوب. وكما هو معلوم أن الضغط له حدود وينفجر، فلا بد له من تنفيس، ولا بد أن يكون هذا التنفيس على قدر الضغط الواقع تحته الناس، إلا أن مساحات التنفيس لم تكن كافية فانفجرت الشعوب في وجه حكامها طالبة التغيير، بيد أن الشعوب والجماهير لا تكون عادة واعية كما يعي المفكرون والأحزاب، لذا كان من السهل أن تنساق هذه المطالب بالتغيير إلى غير وجهها الصحيح، وهذا ما تلمّسناه في تونس ومصر، ونتلمّسه الآن في اليمن وليبيا والأردن وسوريا.

فعندما حمل الناس شعارات التغيير كانت شعاراتهم إصلاحية أكثر منها تغييرية.  صحيح أن المناداة كانت بتغيير النظام، ولكن ما حصل هو تغيير أفراد في النظام، حاكم ورئيس وزراء ووزير وغيره لا أكثر.  وعدم وعي المنتفضين للتغيير على ماهية المطالبة بتغيير النظام، وطغيان الحركة المشاعرية بصيحات ومطالب عامة، سهّل على القوى الدولية الغربية النافذة وعملائها في البلد اختراق الحراك وسرقة الثورات وإزالة فتيلها والحيلولة دون نهضة الناس إلى الأفضل، الأمر الذي دأب عليه منذ استعماره هذه البلاد.

أما هذه السرقات فكانت واضحة لكل متابع لتسلسل الأحداث، حيث إن أوروبا أدخلت رجالها من نفس الباب الذي خرج منه بن على في تونس ليحكموا الناس بما تريد، وها هي تونس لم يتغير فيها النظام أو الولاء لأوروبا وإنما تغيرت الوجوه فقط، كما أن علمانية النظام ظلت كما هي.  وفي مصر أبقت أميركا على نفس الوجوه مع بعض التعديلات التي من شأنها أن تطيل عمر هذا النظام الجديد، وفي ليبيا تصارعت أميركا وأوروبا وحتى روسيا والصين حتى أخرجوا قرارهم رقم 1973 بشأن التدخل العسكري والحظر الجوي، وما زال الصراع وقنص الفرص والمزايدة في الثورات تحت شعارات حقوق الإنسان والحريات بين دول الغرب هو الطاغي على الأحداث.

إن أخطر مرحلة في حركات التغيير هو ليس المطالبة بالتغيير، ولا التلبس بالعمل للتغيير، ولكن هو تحديد الأهداف من التغيير، وإلى ماذا سيؤول التغيير، وما هو البديل المرجو من التغيير، وهذا للأسف ما لم تعيه الناس عندما طالبوا بتغيير أنظمتهم.  حيث أنهم لم يفرّقوا بين الأفراد والنظام، فظنوا أن مشاكلهم هي بوجود فلان في الحكم، بينما الحقيقة هي في نظام الحكم وليس في أفراد السلطة.  وبقناعة أقول أنه لا يمكن التعويل على أي حركة للتغيير ما لم يكن عند الأمة رأي عام على واقعها وعلى غاياتها، ويكون هذا الرأي منبثق عن وعي سياسي على الأحداث ومتغيراتها وإلى أين وصلت. أي أنه يجب تبني الاسلام كنظام للحياة في الدولة وفي المجتمع بشكل واضح وبشكل علني. أما تحت الشعار الوطني المطروح فإن كل من هبَّ ودبَّ سيدخل تحت هذا الشعار وسيعمل كل طرف على أن يمسك بزمام الأمور ويقود الناس إلى كل جهة، ماعدا جهة تحقيق الحكم العادل الذي يتفيأ الجميع ظلاله في أمن وأمان!