الغائب الأكبر عن المشهد السياسي المحلي

762

في ظل الجلبة والضجيج السياسي المحلي يتم الحديث عن كل شيء، الدستور والقوانين، المجلس والنصاب (بكسر النون)، الاستجواب والتحالفات، التجمعات والاجتماعات، مؤتمر وزارة الداخلية والرصيف المشهور!، وغيرها من تفاصيل.

ولطالما ترددت في الكتابة في المشهد السياسي المحلي، وذلك لأن تفاصيل المشهد الظاهرة على السطح والتي تسيطر على الرأي العام، عبارة عن “تفرعات” لا تشجع من اعتاد على التفكير في الجذور أن يكتب فيها. إلا أن التردد قد هزمته الرغبة في قول كلمة حق بإذن الله تلقي ضوءً ولو خافتاً على هذه الظلمة حالكة السواد.

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة         فإنَّ فساد الرأي أن تترددا

أبدأ بتذكير الجميع أننا نعيش في مجتمع أفراده يعتنقون الإسلام، يحبونه ويعرفون أفكاره الرئيسية بشكل عام ويرجعون إلى أحكامه في كثير من أمور حياتهم، والمطالبة بتحكيم الشريعة ليست بغريبة عن هذا المجتمع.

وممّا تضمّنته الشريعة الإسلامية، وجاءت النصوص الربانية والنبوية مبيّنة له، أمر الحكم والسياسة، ومن ذلك هذه الآيات الكريمات:

1.{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً (61)} النساء.

  1. {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً (65)} النساء.
  2. {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً(105)} النساء.
  3. {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} المائدة.

فهذه بعض الآيات من القرآن الكريم تتعلّق بالحكم، وفيها الأمر بتطبيق حكم الله عزّ وجلّ، والنهي عن تحكيم الطاغوت (وهو كل ما عبد من دون الله).

ثم إن الأمر بتحكيم شرع الله فيما شجر بين النّاس واجب بقرينة ربطه بالإيمان. ومثال ذلك قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}، فجعل قضية تحكيم الشرع من الإيمان، وعدم تحكيمه من الكفر أو الفسوق والعصيان، وكيف لا، وقد نفى الله سبحانه وتعالى عن المحكّم لغير شرعه الإيمان بقوله (لا يؤمنون) وأكّد ذلك بالقسم بذاته العلية.

إذن مسألة أن الشرع قد تضمّن ما يتعلّق بسياسة الناس ورعاية شؤونهم، واشتمل على أحكام تنظّم لهم الحكم والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وترتّب لهم أمر الدولة شكلا ومضمونا- مسألة محسومة وواضحة لا مراء فيها. ومن نظر في القرآن وسنة الرسول عليه السلام القولية والعملية، وقف على حقيقة ما نقول، ووجد مئات النصوص المتعلّقة بالتشريع الحربي والسياسي والجنائي والاجتماعي والقضائي والاقتصادي والدبلوماسي وغير ذلك.

فأين المجتمع من الرد إلى الله ورسوله في مشاكله السياسية؟ وأين المجتمع من قوله تعالى ” فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا” ؟

وليتأمل القارئ حديث رسول الله عليه السلام التالي وخاصة نهايته كي يدرك حقيقة مشكلة المجتمع السياسية الأساسية ” يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم

ألا يستحق الأمر أن يوصف بالغائب الأكبر؟