والشام تسأل والعراق وفارس****أمحا من الأرض الخلافة ماح

في مثل هذه الأيام، وقبل حوالي تسعين عاماً، و تحديداً صبيحة 28 رجب 1342هـ (3 مارس 1924م)، أُعلن أن المجلس الوطني الكبير في استانبول قد وافق على إلغاء الخلافة، وفصل الدين عن الدولة. وفي الليلة ذاتها أرسل أتاتورك أمراً إلى حاكم استانبول يقضي بأن يغادر الخليفة عبد المجيد تركيا قبل فجر اليوم التالي.

ثم تم توقيع معاهدة لوزان في 24 تموز سنة 1924، واتفق المؤتمرون على شروط الصلح، التي وضعها كرزون رئيس الوفد الإنجليزي، وهي : إلغاء الخلافة إلغاءً تاماً، وطرد الخليفة خارج الحدود، ومصادرة أمواله، وإعلان علمانية الدولة. واعترفت الدول باستقلال تركيا، وانسحب الإنجليز من استانبول والمضايق. وعلى إثر ذلك قام أحد النواب الإنجليز واحتج على كرزون في مجلس العموم لاعترافه باستقلال تركيا فأجابه كرزون قائلاً: «القضية أن تركيا قد قضى عليها، ولن تقوم لها قائمة، لأننا قد قضينا على القوة المعنوية فيها: الخلافة والإسلام».

نعم، تم القضاء على الخلافة أو ما تبقى منها! الدرع الواقي للأمة، الناظم لوحدتها، حتى وهي في أضعف أحوالها.

إن تحليل هذا الحدث التاريخي المصيري يطول، ولكن التساؤل المستنكر المشروع أبهذه السهولة يتم الإطاحة بالخلافة، والمسلمون حينئذ مئات الملايين، ولا ينتفضون دفاعاً عن دينهم أو وجودهم السياسي؟!

نعم بهذه السهولة تمت الإطاحة بالخلافة، ولم تتحرك الأمة الحركة المناسبة. والسبب في ذلك هو أن القضايا المصيرية التي تقتضي المواجهة بإجراءات الحياة أو الموت لم تكن متصورة من الأمة حين وقوع هذه الكارثة التاريخية، ولم تكن الأمة تعتبر أن ما حدث قضية مصيرية يتوقف عليها فناؤها أو بقاؤها، وهنا أعني وجود الإسلام سياسياً ودولياً على أرض الواقع بوجود دولة تطبقه وتحمله.

ولكن، هل فعلاً الخطب جلل؟ وأن ما حدث كارثة وقضية مصيرية؟!!

إن الخلافة هي الكيان السياسي الوحيد الذي عرفته الأمة عبر تاريخها كطريقة لتطبيق الإسلام وتجسيد حضارته وحفظ طريقته في الحياة، وهي بحق تاج الفروض، أي أن الفروض المتعلقة بوجود الإمام لا تقوم إلا بها، وهذه الفروض تصون حياة الإنسان وعرضه وماله وعقله وعزته وكرامته، قال الله سبحانه وتعالى ” ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون” فمن يطبق القصاص سوى الخلافة؟ ويقول سبحانه وتعالى ” والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم” وقال الرسول عليه الصلاة والسلام ” لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه” فمن يحفظ الأموال سوى الخلافة؟ ويقول الله سبحانه وتعالى : ” الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة” فمن يحمي الأعراض سوى الخلافة؟ ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم :” إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم” فمن لإقامة أحكام البيوع واستئناف الجهاد والانشغال بإصلاح أمر الدنيا سوى الخلافة؟ وقال الله سبحانه وتعالى : ” وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم” فمن سوى الخلافة تعد العدّة وتجيش الجيوش لترهب الأعداء فتحفظ عزة الأمة؟

فإن كانت حماية أرواح المسلمين وأعراضهم وأموالهم قضية مصيرية فإن الخلافة كذلك، وإن كانت قضية حماية شعوب الأمة وثرواتها وأراضيها من اعتداء الكفار قضية مصيرية فالخلافة كذلك، وإن كانت المحافظة على منعة الأمة والذود عن كرامتها قضية مصيرية فالخلافة كذلك، وهكذا تنهض الخلافة لتكون كما وصفها شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله ” يجب أن يُعرف أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين؛ بل لا قيام للدين إلا بها”.

هذا هو موقع الخلافة في الإسلام. وحريّ بها أن تكون قضية المسلمين جميعاً، فليعملوا لها دون لف أو دوران، وليكن رأسهم فوق الريح؛ ثقةً بربهم وبدينهم وبأنفسهم. وها هي الشعوب قد حطمت أغلال الخوف، وتسير في طريق استعادة حقها في الحكم والسلطان، فلتكن الوجهة نحو الحكم على أساس الإسلام، فإن النفس تحنو للجهاد، والنصر، والفتوحات، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، وانتشار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها…وكما قال عليه السلام “إن أول دينكم نبوة ورحمة، وتكون فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله جل جلاله، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، تكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جل جلاله، ثم تكون ملكاً عاضاً، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعه الله جل جلاله، ثم يكون ملكاً جبريّاً، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعه الله جل جلاله، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل في الناس بسنة النبي، ويلقي الإسلام بجرانه في الأرض، يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء من مطر إلا صبته مدراراً، ولا تدع الأرض من نباتها ولا بركاتها شيئاً إلا أخرجته “.