أهلنا في تونس…حياتكم حياة لنا

سطّر الأهل في تونس دروساً عديدة في انتفاضتهم ضد “بن علي”، ويحتاج المرء إلى مقالات مطولة كي يستقصي تلك الدروس، ولكن ضرورة المقام تقتضي اختصار المقال وإبراز الأهم من الأفكار.

أولاً: ما قام به الشعب التونسي يعتبر ممارسة عملية وحية لحقيقة أن “السلطان للأمة”. هذه الحقيقة استمدت من نصوص شرعية قاطعة تقصم رقبة مروجي أنظمة حكم الفرد وحكم الفئة وحكم الحق الإلهي المزعوم. هذه القاعدة للحكم أخذت من نصوص متظافرة دلت على أن المسلمين هم الذين يقيمون حاكمهم (الخليفة)، ويبايعونه على كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، ونصوص أخرى دلت على أن الخليفة إنما يأخذ السلطان بهذه البيعة. ومفهوم “السلطان للأمة” من الخطورة والأهمية بمكان؛ حيث أن حكم التعدي على هذا الحق واغتصابه يصل إلى درجة القتل! وها هو عمر بن الخطاب يؤكد على ذلك بقوله” إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم” وقوله” من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرةً أن يقتلا” ” وقوله للستة ” من تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه” وفي رواية “من دعا إلى إمرة من غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه”.

فأمر الحكم والسلطان أمر جلل، واغتصابهما ليس كأي اغتصاب. ذلك أن ممارسة السلطان يلزمها مقدرات وموارد عديدة؛ يلزمها المال والرجال، والعقول والجيوش، ويلزمها الكثير الكثير. هذا الكثير الكثير يصادر بمصادرة السلطان، فأي مصيبة تلك التي تحل بالشعوب حينما يصادر سلطانها!

على أي حال، اختصر علينا الشعب التونسي الكثير لبيان معنى السلطان للأمة. حيث أن حركته بكل فئاته لم يكن ليقف أمامها أي حاكم مهما كان بطشه، ولا أحسب أن ثمة بطش يزيد على بطش ” بن علي”. كما اختصر – استطرادا- المسلمون في أفغانستان والعراق الكثير لبيان حقيقة أمة التضحية والجهاد وحقيقة أمم الأنانية ورأس المال.

ثانياً: مقتل الأنظمة القمعية يتمثل في جانب واحد، وهو كسر حاجز الخوف. ذلك أن قيام هكذا أنظمة واستمرارها يكون على أساس اليد الغليظة الممتدة إلى كل جوانب المجتمع، فإن لم يعد المجتمع يكترث بهذه اليد، بل يرد الصاع صاعين ويكسر هذه اليد، فسيتهاوى النظام بلمح البصر ويحاول تبديل وجهه، كما حاول “بن علي” في آخر ظهور ذليل له، وكما يحاول أذياله من بعده.

ثالثاً: الحاكم الفرد، مهما بلغت فرديته، فإنه نتاج نظام داخلي وغطاء خارجي. حيث أن الحاكم الفرد يحكم من خلال أجهزة ومؤسسات من مثل أجهزة الأمن والحزب الحاكم وأحزاب الديكور، والبرلمان الصوري، ودستور وقوانين مفصلة على المقاس، وإعلام وثقافة وأفكار، وغير ذلك من أنظمة وأشكال. فالمشكلة الأساسية في تونس لم تكن في شخص الطاغية بن علي، وإنما في النظام الوضعي الذي تركه من خلفه، الذي ينتج الطغاة ويعيد إنتاجهم وتشكيلهم. أما الغطاء والدعم الخارجي، فهو مشكوف ومفضوح. فمثلا، في يوم 13 يناير، يوم كان شباب تونس يُقتلون بيد “بن علي”، صرّح وزير الزراعة الفرنسي برونو لومير على تلفزيون (كنال) قائلا: “إن الرئيس بن علي كثيرا ما يُحكم عليه بنحو سيّء بيد أنه فعل الكثير، يمكننا انتقاد بعض الأوجه وإبداء اليقظة إزاء حقوق الإنسان لكنها -أي تونس- بلاد شهدت صعوبات حقيقية”. وقبلها في 11 يناير صرحت وزيرة الخارجية الفرنسية “مياشل اليو ماري” ” الخبرة المعرفية التي تتمتع بها مصالح الأمن الفرنسية والمعروفة عالميا، من شأنها أن تساهم في المشاكل الأمنية من هذا النوع” في إشارة منها إلى الاحتجاجات الأخيرة التي حدثت في كل من تونس والجزائر. وما زالت الخارجية الأميركية تنشر في موقعها أنها كانت صديقة قوية للنظام التونسي وحاكمه بن علي.

لذا، كان واجباً القطيعة التامة مع النظام السابق وأرضيته الداخلية وغطائه الخارجي. فما كان للدماء الزكية التي سالت على أرض تونس الطهور، أن يُنسى خبرها، وهي ترى النظام السابق يتولى أمرها من جديد ولكن بحلة جديدة، وما كان للدماء الزكية أن يُعفى أثرها وهي ترى النفوذ الفكري والسياسي الأوروبي والأميركي يصول ويجول في الداخل التونسي.

رابعاً: كي تتحول الانتفاضة إلى ثورة حقيقية، وجب أن يكون للحركة الجماهيرية معنىً فكري واتجاه محدد. ولا يوجد عنوان غير عنوان الإسلام، عقيدة ونظام. نعم، إنه طوال عقود طويلة سالت دماء طاهرة كثيرة من هذه الأمة الإسلامية الكريمة، تجاه اليمين وتجاه اليسار! ألم يأن أن تكون التضحية والحركة تجاه استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الدولة الإسلامية؟! شتان شتان بين حركة تتجه نحو رأسمالية ديمقراطية يرضى عنها المجتمع الدولي وحركة تتجه نحو خلافة “على منهاج النبوة تعمل في الناس بسنة النبي ويلقي الإسلام بجرانه في الأرض يرضى عنه ساكن السماء و ساكن الأرض لا تذر السماء من قطر إلا صبته مدرارا ولا تدع الأرض من نباتها وبركاتها شيئا إلا أخرجته” كما قال النبي عليه السلام. وشتان شتان بين حياة على أساس ديمقراطي رأسمالي وحياة على أساس أفكار الإسلام. قال تعالى ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ”

خامساً: إن لم يتحقق في تونس اليوم التغيير الجذري المنشود، فكلي ثقة أن البلد ستكون، على أقل تقدير، ساحة ساخنة يشق فيها الإسلام وحملته الطريق الفكري والسياسي نحو العقول والقلوب، نحو الوعي العام والرأي العام، وذلك لسببين رئيسيين. أولهما؛ أن تونس ليست منفصلة عن محيطها العربي والإسلامي، والأمة في هذه المرحلة التاريخية قد تجاوزت تيارات وأفكار اليسار والعلمانية والليبرالية والشيوعية، تلك فترة قد ولت وتلك أفكار قد بليت، وصار للإسلام رأي عام متقدم. أما السبب الثاني، فإن تونس قد خبرت العلمانية وما انبثق عنها، ورأتها رؤي العين. والخبر ما تراه لا ما تسمعه! ولا أحسب أنني بحاجة لبيان مظاهر حرب النظام في تونس للإسلام والمسلمين، لحجابهم وأذانهم وصلاتهم وزواجهم !