بين الأمر والآمر

استوقفني قوله تعالى: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)، ولا أظن أنني بحاجة لذكر تفاصيل تلك المعصية، فهي أشهر من أن تذكر، ولكن أحببت أن أتوقف عند موقف إبليس، فهو لم ينظر إلى الآمر ولكنه نظر إلى الأمر وكانت النتيجة معصية الآمر، إنه لم يستسغ أن يسجد لبشر يرى نفسه أفضل منه، وفي نفس الوقت لم يلتفت إلى أهمية الأمر كونه من الله تعالى.

استشعرت هذا وأنا أرى المسلمين في هذه الأيام فئتان، فئة بدأت تتحرك إلى بيت الله الحرام، مستعدة للدخول في مناسك الحج، وفئة أخرى ترقب هذه الأيام المباركة منتظرة يوم الوقفة الأكبر يوم عرفة لتشاهد الحجاج وهم يقفون متضرعين إلى الله تعالى متشاركين جميعاً في الطاعة والدعاء والاستغفار.

نظر الجميع إلى الآمر جل وعلا فاستجابوا له استجابة واحدة، ولم ينظر أحد منهم إلى أوامر الله تعالى، ليأخذ ما تهواه نفسه ويترك ما لا تهواه، لم يسألوا: لماذا نطوف بالبيت سبعاً؟ ولماذا نقف في عرفة؟ ولماذا نرمي الجمرات؟ ولماذا ولماذا؟ كل ذلك لأنهم آمنوا بالله تعالى إيماناً قطعياً لا شك فيه، وأدركوا أن إرضاءه هو غاية غاياتهم، فبذلوا الجهود والأموال والأوقات لنيل رضاه. ينطق بلسانهم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه عندما خاطب الحجر الأسود قائلاً: (إنى لأقبلك وأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع وإن الله ربى، ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك) .

هذا هو دين الله تعالى، عليك أن تؤمن بالله تعالى ثم تستجيب لأوامره استجابة كاملة، (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً) ولذلك قال العلماء أن من طبق شرع الله لأن فيه مصلحة وليس لأنه من الله تعالى لا يعد حاكماً بما أنزل الله تعالى.

أما أن تعرض أوامر الله على العقول لتأخذ منها ما تشاء وتدع ما تشاء، بحجة المصلحة وموافقة الزمان وغير ذلك فإن هذا ليس من الإسلام في شيء. عطلوا الحكم بما أنزل الله، وعطلوا الحدود، وعطلوا المعاملات، وأباحوا الحرام كل ذلك لأنهم نظروا إلى الأمر وليس إلى الآمر فعصوا الآمر ولم ينفذوا أوامره.

أما أوامر الله تعالى فإنها تؤخذ من النصوص الشرعية وفق منهج التثبت الصحيح، ثم تفهم وفق الاستدلال الصحيح لتطبيقها على الواقع، وهي في هذه الحالة أيضاً تخضع لمنهج التثبت والاستدلال ليتأكد أنها من الله، أي من الآمر. وعندها يكون الانقياد بتنفيذها على الفور.

أسأل الله تعالى أن يغفر لنا جميعاً في هذه الأيام المباركة، وأن يلهمنا الالتزام بأوامره بغية نيل رضوانه.