مقالات حينما تكون الانتخابات عبثية!

حينما تكون الانتخابات عبثية!

909

تعرف المجتمعات والأمم الاستقرار حينما تتفق على أفكار ومقاييس وقناعات عامة تحدد لها هويتها وخياراتها الأساسية واتجاهها في الحياة. ولا يكفي الاتفاق النظري على هذه الأفكار، بل لابد من ترجمتها عملياً على شكل أنظمة ودساتير وقوانين، تضمن تطبيق الأفكار والحفاظ على الأجواء العامة

ضمن هذا الاتفاق العام تنشأ اختلافات فرعية بين الأفراد والجماعات تتعلق بتفصيلات فكرية وتنفيذية تكون محلا للنقاش والحراك السياسي العام. هنا تحتاج الجماعة البشرية آليات عملية لاختيار أفضل السياسات والبرامج وأكثر الممثلين لهذه البرامج مقبولية لدى الشعب. هذا وقد استقرت التجربة البشرية على اختيار الانتخابات العامة كآلية للاختيار، على تفصيلات في نطاق الاختيار وإلزاميته.

ولبيان المقال بمثال أقول، أنه قد تكوّن في المجتمعات الغربية اتفاقاً عاماً على العلمانية كمبدأ وعلى الديمقراطية كنظام للحكم، وضمن هذا الإطار تنشأ خيارات فرعية تتعلق بكيفية تنفيذ قضايا مثل الضريبة والتأمين الصحي وسياسات النقد والعمل …الخ. هنا تظهر الحاجة لآليات للاختيار بين هذه الكيفيات من خلال صندوق الانتخاب، الذي يفرز حسب تصويت الأغلبية البرامج والقيادات.

أما في مرحلة عدم استقرار الجماعة البشرية والصراع الفكري والسياسي بين مكوناتها حول قضايا مبدئية، فإنه لا يُتصور إمكانية اللجوء إلى صندوق الانتخاب للاختيار. لأنه حينئذ يكون اختياراً بين مبادئ متناقضة وليس بين برامج متفاوتة!

في هذا السياق، نفهم الشعار الفرنسي المشهور “اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس”! حيث أنه لا حل وسط ولا خيار لدى المجتمع بين فكرتي فصل الدين عن الحياة وفكرة هيمنة الدين على الحياة، ويكون الاحتكام إلى صندوق الانتخاب في مثل هذا الظرف أقرب إلى الجنون!

وما يجري في المنطقة العربية مثال آخر لعبثية الاحتكام للصندوق الانتخابي، وهو بيت القصيد في المقال. فالمنطقة هي منطقة مسلمين بشكل عام، كانت تُحكم بالإسلام قرونا عديدة، وكانت منطقة تعيش فيها أمة متحدة عقائدياً وسياسياً، حتى جاء الاستعمار فأقام نظماً فصلت الدين عن الدولة، وجزأت الأمة بحدود وطنية، والتحقت بالغرب سياسياً وثقافياً، إلى آخر القصة الكئيبة المعروفة. ثم نشأت بوادر نهوض إسلامي، وتفاعلت الأفكار والمشاعر الإسلامية في المجتمعات، وصارت المطالب الإسلامية الأساسية رأياً عاماً تصارع آراء أخرى مضادة “صراع وجود” وتكافح الأنظمة كفاحاً سياسياً دموياً. ثم ها هي المشاهد ماثلة أمامنا في ما يسمى بدول الربيع العربي؛ شعوب تسير بأقصى سرعة لاستعادة سلطانها وحقها في الحكم، تدهس كل من يقف أمامها يريد اغتصاب حقها مجدداً. في هكذا مشهد دموي، كفاحي، مصيري، يكون اللجوء إلى صندوق الانتخابات كذلك عبثاً. حيث أن ميدان حسم الخيارات في هكذا مشهد يكون في الأمة ومعها، ومادة الحسم المبادئ والأفكار الأساسية، وأدوات الحسم الصراع الفكري والكفاح السياسي التي تقودها الأحزاب الفكرية السياسية. صراعاً وكفاحاً لا يقبل القسمة على اثنين، ولا يقبل الحلول الوسط والتفاوض والتنازل والتكتيك. وكيف يكون الحل الوسط بين اتجاه يريد حكم الإسلام واتجاه يريد حكم البشر؟! هل يكون ذلك برفع الأيادي وعد الأصوات؟! وكيف يكون الحل الوسط بين شعب قدم الغالي والنفيس لاستعادة السلطان والاستقلال ومجلس عسكري يريد الاحتفاظ بالحكم خدمة للأجنبي؟! هل يكون ذلك وفق عملية انتخابية يكون المجلس العسكري هو القيّم عليها؟!

في النهاية أقول، أنه حسب مسار التاريخ في تحديد مصير الأمم والشعوب، لا تكون العمليات الانتخابية شيئاً يُذكر، ولا أرى الصندوق الانتخابي في هذه الظروف إلا اقتناصاً لفرص آنية وقطفاً لثمار لم يحن قطافها!