سيناريو البلطجية!

956

البلطجي كلمة عامية، واضح أنها ترمز إلى البلطة فمن يحملها هو بلطجي، وطبعاً فالكلمة مقيتة وليست محببة إلى النفوس لأن مجرد ذكرها يعني الفساد، والتخريب، واستخدام البلطة بدل العقل.

والبلطجية هي مجموعة من هؤلاء جمعتهم رابطة واحدة وهي البلطة.

ولعل تكرار ذكر هذه الكلمة في هذه الأيام جعل من استخدامها في نفس الصورة لتحقيق نفس الأهداف موضع تساؤل.

ولعلنا نحتاج إلى تعديل هذا المصطلح الذي اكتسب صبغة سياسية ليكون كما يلي: البلطجية جماعة إقليمية من الأشباح، لها فروع في كل البلاد، وهي لا تظهر إلى الوجود إلا عندما تحدث ثورة من الشعب ضد حكومته، ومن خصائص هذه الجماعة أنها لا تعمل إلا في أوساط المتظاهرين ضد النظام، ولا وجود لها في أوساط من يؤيدون النظام، ومن أبرز ما تتميز به هذه الجماعة من قدرات أنها تشل قوات الأمن فلا تستطيع أن تفعل لها شيئاً ولا أن تمنعها من البلطجة عندما تمارس دورها في قمع الشعوب.

هذا السيناريو هو السائد هذه الأيام، ففي كل بلد يثور فيه الشعب على حكومته يظهر هذا السيناريو وكأن الجميع متفق عليه، والغريب في الأمر أنه لا يظهر إلا في الثورات، ولا يقمع إلا أناساً معينين، أما الذين يؤيدون النظام فهم بعيدون عن دائرة البلطجية.

والسؤال: إذا كانت الدولة كما يفترض فيها أن تقوم على حماية الناس، فأين دورها في حمايتهم من البلطجية؟

والجواب أن الدول في المنطقة لم تقم أساساً لحماية الناس ورعاية مصالحهم، بل هي قامت لحماية حفنة أو عصابة من الأشخاص أطلقوا على أنفسهم حكاماً، ورعاية مصالح الدول الكبرى التي أتت بهم وسندت بقاءهم. هاتان الحقيقتان كانتا قبل أشهر قليلة تصنف من قبل البعض أنها ترديد لنظريات المؤامرة وأنها فروض وخيالات وأنها وأنها..

أما اليوم فقد انكشف المستور وصار اللعب على المكشوف؛ 31 مليار دولار أصول لحاكم مصر السابق في أميركا فقط، نقود وحلي متراكمة على طريقة القرون الوسطى في خزائن حاكم تونس، ليبيا بتاريخها وجغرافيتها وكيانها اختزلت بشخص هو “المجد” كما يزعم. أما الدول الكبرى فحدث ولا حرج؛ تارة تقترح فرنسا إرسال خبراتها الأمنية لإسناد بن علي لقمع الثورة، وتارة تنحاز بجانب مبارك في مقابل الشعب، وتارة تهرول بريطانيا من خلال قواتها الخاصة وقواتها الديبلوماسية لفتح قنوات الاتصال مع الثوار في ليبيا، ومفاوضات سرية برعاية أمريكية وبريطانية لتنحي صالح عن السلطة وبحث آليات انتقال السلطة، وكأن الساحة العربية فعلاً ساحة مستباحة للغرب يدخل ويخرج ويدس أنفه كما يشاء!

هكذا أنظمة لا تقيم للإنسان وزناً كي تفكر بحمايته، أو رعاية شؤونه، ويصير الاستشهاد بقول عمر ” لو أن بغلة في العراق عثرت لخشيت أن يحاسبني الله لم لم أمهد لها الطريق” يصير هذا القول خيالاً عند من سمح وأعان على فتح العراق بأكمله، وليس بغاله، لأميركا تعيث فيه فساداً!

أخيرا أقول إن البلطجة لا تقتصر فقط على أشخاص يركبون جمالاً وخيولاً وعصابات تحمل عصياً وسيوفاً، فثمة بلطجة إعلامية تطبل وتزمر وتبث سمومها في المجتمع وتفسد ذوقه، وثمة بلطجة فكرية تخرب عقول الناس وفطرتهم السليمة فتروضهم لطاعة الحاكم.

وبعد الأخيرة أقول، بعد أن يتصور أحدنا أثر البلطجي في الحارة، كيف يكون أثره وهو في سدة الحكم؟!