طاعة ولي الأمر ضمن السياق

إن الأنظمة السياسية لا يمكن لها أن تنتج أو تؤثر عندما تؤخذ منفصلة عن فكرتها وعقيدتها الأساسية، ذلك أن نظاماً من غير أساس فكري مآله السقوط، وعقيدة أساسية من غير نظام فلسفة خيالية محلها فقط الكتب والنظريات. فمن الخطر مثلا الأخذ بالنظام الليبرالي الديمقراطي، في بلاد المسلمين، لأنه لا يؤخذ منفصلا عن فكرته العلمانية، لأنه لا ينتج ولا يؤثر، ولا يؤخذ متصلا بفكرته العلمانية، لأنها فكرة تقتضي أن تترك الأمة الإسلامية عقيدة الإسلام! ولا يجوز أيضاً أن نأخذ الليبرالية الديمقراطية ونحتفظ بالناحية الروحية من الإسلام فحسب، لأننا حينها لا نكون قد أخذنا الإسلام ولا الديمقراطية الليبرالية أيضاً وذلك لتناقضهما، ونقص المأخوذ منها، ولا يجوز أن نأخذ نظام الإسلام ونترك عقيدته المنبثقة عنها أنظمته، لأننا نكون قد أخذنا النظام جامدا لا روح فيه، بل لا بد من نأخذ الإسلام كاملا بعقيدته وأنظمته. وكم هو دقيق كلام الإمام الماوردي ” الإسلام والسلطان أخوان توأمان، فالإسلام أس والسلطان حارس، فما لا أس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع”.

فالنظام سياسي له بيئة فكرية ومفاهيم وأدوات تشكل بيئة وحياة فكرية وسياسية خاصة، تمنع من دخول عناصر غربية إليها لا تنتمي لها بصلة.

كانت هذه المقدمة، وهذا المقال أيضا، لتسجيل علامة تعجب كبيرة لما تشهده الساحة المحلية، وما يذهب إليه البعض – أو الكثير- من تكرار وترديد و”استخدام” جملة من الأحكام الشرعية المتعلقة بضبط الحياة السياسية، في حياة هي أصلا لا تسير وفق الأحكام الشرعية! وحالهم كحال من يلجأ إلى الشرع للقول بجواز الصلح مع ” اسرائيل” التي تغتصب وتفتك وتقتل، استنادا إلى صلح الحديبية أو صلح الرملة!

وبعد التعجب أقول: لقد جاء الإسلام بمجموعة من القواعد والأفكار والأحكام التي شكلت نظاما سياسيا متميزا. ولا يتسع المقال للبسط والشرح، إلا أن أي فكرة أو حكم من تلك الأحكام لا يمكن أن تستقيم، ومن باب أولى لا يمكن أن “تستخدم”، خارج سياقها الذي ينظمها ويميزها، ومن تلك الأحكام طاعة ولي الأمر، التي تتضمن مفهوم ولي الأمر ومفهوم الطاعة.

يقول تعالى ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا”، وهنا أوضح بيان للسياق الذي يجب أن يوضع فيه مفهوم ولي الامر. فعندنا في البداية خطاب إلى الذين آمنوا، ثم الأمر بطاعة الله والرسول عليه السلام وأولي الأمر، فإن حصل تنازع بين المؤمنين وحكامهم فالرد يكون إلى الله والرسول، والنهاية بالإيمان بالله واليوم الآخر. فهل يظن ظان أن الآية بأحكامها التي تقررها، تتحدث عن حياة ضمن نظام ديمقراطي ليبرالي أم ضمن نظام اشتراكي مادي؟!

ثم إن النصوص الشرعية تزخر ببيان مفهوم ولي الأمر و”وضعه في سياقه” الموضوعي. من ذلك قوله عليه السلام ” إن أمر عليكم عبد مجدع أسود، يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا”، وقوله “يا أيها الناس، اتقوا الله، وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدّع، فاسمعوا وأطيعوا، ما أقام لكم كتاب الله” وفي رواية ” ما قادكم بكتاب الله”، وحديث عبادة بن الصامت في البيعة ” بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة…وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم من الله فيه برهان” وفي لفظ آخر ” إلا أن تكون معصية لله بواحا”. وهكذا تتدفق النصوص لبيان أن الحياة حياة إسلامية يجب أن تقاد بالإسلام في كل تفاصيلها ” ما أقام فيكم كتاب الله” ” ما قادكم بكتاب الله”، كما أن مفردات البرهان من الله، والكفر، والمعصية، كلها مفردات شرعية لها مدلولات متميزة، وفيها تفصيلات كثيرة، من أرادها بحث في مظانها، إلا أن الباحث بالتأكيد لن يلجأ إلى المذكرة التفسيرية للدستور في بحثه!