العقل ومشروع النهضة لدى حزب التحرير(1-2)

1141

كتب الأستاذ يوسف عبد الرحمن في صحيفة الأنباء الكويتية بتاريخ 5 كانون الأول/ديسمبر 2015 مقالاً بعنوان “العصرانيون”. تناول فيه جماعات وفئات ومناهج بالنقد لمخالفتهم ما اعتبره الكاتب نهجاً صحيحاً في فهم الدين والدعوة إليه. بل إن الكاتب اعتبر تلك الفئات بأنهم “يحاولون هدم الدين وأتباعه ممن هم على المنهج الصحيح”.

هذا وقد لفت نظري إقحام حزب التحرير في الموضوع ووضعه في سياق تلكم الدعوات التي انهال الكاتب عليها تنفيراً وتبشيعاً. نعم، لقد جاء ذكر حزب التحرير خاطفاً في المقال، إلا أن نفسي دفعتني لتوضيح بعض المسائل ولعرض بعض الملامح الأساسية لثقافة حزب التحرير ومشروعه الحضاري، خاصة في ظل ندرة التطرق لمثل هذا الموضوع في صحافتنا المحلية، فكان هذا المقال السريع توضيحاً وليس دفاعاً، بنّاءً وليس مناكفةً.

كتب الأستاذ يوسف “إن المتأمل لواقع أمتنا يجد المعتزلة نشطوا في السنوات الأخيرة من خلال محاولة إحياء فكر فرقهم القديمة كالزيدية مثلاً وما أحدثته في اليمن من بلبلة وفرقة، وأيضاً حزب التحرير وجماعة الترابي السودانية، وأيضاً ما دسوه لنا في الكتب من نماذج مثل محمد عبده، ومحمد إقبال”.

أقول أولاً، إن وضع القوالب الجاهزة دونما تعمق في البحث في الأصول والتصورات الكلية، وتصنيف تلك الجماعة أو ذلك الحزب تحت عناوين عريضة لمجرد التقاط قول هنا أو رأي هناك – هكذا صنيع لا يكشف عن جدية في النقد، على أقل تقدير!

ثانياً، التاريخ لم يقف عند القرن السابع الهجري. فالاستغراق في القراءة التاريخية لبعض الحقب في التاريخ، يدفع المرء لأن يستحضر البيئة الفكرية لتلك الصراعات القديمة، وأن يستحضر أعداء تلك القرون، وأن يستحضر مقولات تلك القرون. فتجده لا يستطيع الانفكاك عن صراعات شرك القبور وبدع الاستغاثة ولا يستطيع تصور خصمٍ يختلف عن المعتزلة والجهمية والمرجئة، وغير ذلك من تاريخ!

ثالثاً: اعتبار حزب التحرير إحدى تفريعات فرقة المعتزلة يكشف عن عدم اطلاع على ما سطرّه الحزب في هذا الخصوص. وغريب هذا الإصرار على هذا الربط، خاصة في ظل تفجر المعلومات في هذا العصر وسهولة الوصول لثقافة الحزب عبر مواقعه في الشبكة أو عبر أعضائه ومكاتبه على الأرض.

فمثلاً، عرض الحزب في كتاب الشخصبة الإسلامية، الجزء الأول، قضية نشأة المتكلمين – ومنهم المعتزلة – ومنهجهم، ثم بيّن خطأ منهجهم وذلك تحت باب “خطأ منهج المتكلمين”. ومن ضمن ما قال “يتبين من استعراض منهج المتكلمين أنه منهج غير صحيح وسلوكه لا يؤدي إلى إيجاد الإيمان ولا إلى تقوية الإيمان، بل إن سلوكه لا يؤدي إلى التفكير ولا إلى تقوية التفكير، وإنما يوجد معرفة فحسب، والمعرفة غير الإيمان والتفكير. ووجه الخطأ في هذا المنهج ظاهر في عدة وجوه…” وبعد أن بين الحزب وجوهاً خمسة في خطأ منهج المتكلمين خلص إلى القول بأنه “وجب العدول عن منهج المتكلمين والرجوع إلى منهج القرآن وحده”. ولمزيد تفصيل يراجع الكتاب المذكور ص 49-65.

رابعاً: ذكر الكاتب تحت عنوان سماه دعاة العصرنة أنهم “كلهم يتفقون على تقديم العقل على النصوص، على اعتبار أن العقل هو الأصل وإن جاء الشرع بخلافه فحكم العقل يقدم مهما كان”.

وقد انتقيت هذا الجانب؛ ألا وهو دور العقل في فهم العقائد والأصول والفقه، لوضوحه ودقته وتبلوره في ثقافة حزب التحرير. ولعلي قد أطيل النفس قليلاً في بعض النقولات، للبيان ولقطع دابر هذه الشبهة وإشراكاً للقارئ الكريم ببعض الفوائد في فهم حدود العقل وعمله.

يقول الحزب في كتاب “الشخصية الإسلامية ج3” وهو كتاب في أصول الفقه (ص 325) “والدليل على عدم جواز القياس بالإدراك المنطقي، أي على عدم جواز القياس العقلي، النصوص الشرعية التي جاءت بالأحكام الشرعية. فإن الشارع فرّق في النصوص الشرعية بين المتماثلات وجمع بين المختلفات، وأثبت أحكاماً لا مجال للعقل فيها.

أما بيان التفريق بين المتماثلات، فإن الشارع فرق بين الأزمنة في الشرف، ففضل ليلة القدر على غيرها، وفرق بين الأمكنة في الشرف، كتفضيل مكة على المدينة، والمدينة على غيرهما. وفرق بين الصلوات في القصر، فرخص في قصر الرباعية ولم يرخص في قصر الثلاثية والثنائية، وجعل المني طاهراً والمذي نجساً، وهما نزلا من محل واحد. وأوجب الغسل من المني، وأبطل الصوم بإنزاله عمداً دون المذي، مع أنهما نزلا من مكان واحد، وأوجب غسل الثوب من بول الصبية الأنثى، والرش من بول الصبي الذكر. وأوجب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة. وقطع سارق ثلاثة دراهم، ولم يقطع غاصب القناطير. وأوجب الجلد على القاذف بالزنا، ولم يوجبه على القاذف بالكفر. وجعل عدة المطلقة ثلاثة قروء، وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، مع استواء حال الرحم فيهما. وهكذا أحكام كثيرة تتشابه في أمر، ويوجد فيها جامع، فجاء الشارع وجعل لكل منهما حكماً غير حكم الآخر، مما يدل على أن مجرد وجود الجامع في أمر لا يكفي للقياس، بل لا بد أن يكون هذا الجامع علة شرعية قد نص عليها الشرع.

وأما بيان الجمع بين المختلفات، فإن الشرع جمع بين الماء والتراب في جواز الطهارة، مع أن الماء ينظف والتراب يشوه. وجعل الضمان واجباً على المحرم إذا قتل حيواناً أو طيراً في الصيد، سواء أكان قتل الصيد عمداً أم خطأ، مع أن هناك فرقاً بين قتل الخطأ وقتل العمد. وجعل القتل عقوبة للمرتد، وعقوبة للزاني المحصن، وإن اختلفت كيفيته، مع أن هناك فرقاً بين عمل كل منهما. وهكذا أحكام كثيرة تختلف الوقائع فيها اختلافاً بيّناً، ولا يوجد أي جامع بينها، ومع ذلك فقد جعل الشارع لها حكماً واحداً.”

ويقول الحزب في الكتاب نفسه ص 228-229 “ومما يجب التنبيه إليه، أن دلالة ألفاظ التشريع في مفرداته وتراكيبه، إنما يرجع فيها إلى اللغة العربية، وإلى النصوص الشرعية، وليس إلى العقل، ولا إلى القضايا المنطقية، لأن المسألة فهم تشريع وليست وضع تشريع، حتى لو كانت وضع تشريع فإنه يراعى فيها الواقع التشريعي لا القضايا المنطقية، ولا يوجد أخطر على التشريع من المنطق، أي من القضايا المنطقية؛ لأن التشريع يبحث في واقع له مفردات محسوسة، متنوعة، ومختلفة، ولا يقاس عليها إلا إذا وجدت فيها علة منطبقة في أحد المفردات على مفرد آخر، وإلا فيمتنع القياس ويكون خطراً، بخلاف القضايا المنطقية، فهي فروض تصور للعقل وجود واقع لها، وتكون قواعدها قابلة للشمول والتعميم، ومن هنا يأتي خطرها على التشريع.”

ويقول الحزب كذلك في الكتاب ذاته ص17 مبحث “من هو الحاكم” وبعد إثبات جلي وبالأدلة الشرعية لمسألة التحسين والتقبيح ما نصه “وعليه فلا بد أن يكون الحاكم على أفعال العباد، وعلى الأشياء المتعلقة بها، من حيث المدح والذم، هو الله تعالى وليس الإنسان، أي أن يكون الشرع وليس العقل”.

وفي ص 18 يقول “وفوق ذلك، فإن الحكم على الأشياء من حيث الحل والحرمة، وعلى أفعال العباد من حيث كونها واجباً، أو حراماً، أو مندوباً، أو مكروهاً، أو مباحاً، وعلى الأمور والعقود من حيث كونها أسباباً، أو شروطاً، أو موانع، أو صحيحة وباطلة وفاسدة، أو عزيمة ورخصة، كل ذلك ليس من قبيل ملاءمتها للطبع أو عدم ملاءمتها، ولا هو من قبيل واقعها ما هو، وإنّما من قبيل ترتّب المدح والذم عليها في الدنيا، والثواب والعقاب عليها في الآخرة؛ ولذلك كان الحكم في شأنها للشرع وحده وليس للعقل؛ فيكون الحاكم حقيقة على الأفعال، وعلى الأشياء المتعلقة بها، وعلى الأمور، والعقود، إنما هو الشرع وحده، ولا حكم للعقل في ذلك مطلقاً.”

وكذلك يقول الحزب في “مقدمة الدستور” شرح المادة رقم 12 ص57 ما يلي “وأما الذين قالوا إن العقل من الأدلة الشرعية، فإن الكلام هو عن الحكم الشرعي، أي ما غلب على الظن أنه حكم الله، وهو لا يكون إلا مما جاء به الوحي، والعقل لم يأت به الوحي؛ ولذلك لا يوجد دليل لا ظني ولا قطعي على أن العقل من الأدلة الشرعية على الأحكام الشرعية، فلا يعتبر من الأدلة الشرعية مطلقا”.

ويقول الحزب في كتاب نظام الإسلام صفحة 10 “وهذا النظام لا يأتي من الإنسان، لأن فهمه لتنظيم غرائز الإنسان وحاجاته العضوية عرضة للتفاوت والاختلاف والتناقض والتأثر بالبيئة التي يعيش فيها، فإذا ترك ذلك له كان النظام عرضة للتفاوت والاختلاف والتناقض وأدى إلى شقاء الإنسان، فلا بد أن يكون النظام من الله تعالى”.

وبحث الحزب في الإيمان وأدلته في كتاب الشخصية الإسلامية الجزء الأول، وفصّل في دور العقل في تلك القضايا (ص 29-44). ومن ذلك قوله “والناظر في الأمور التي تطلب العقيدة الإسلامية الإيمان بها يجد أن الإيمان بالله دليله عقلي، لأن موضوعه محسوس تدركه الحواس وهو وجود خالق للموجودات المدركة المحسوسة. ولكن الإيمان بالملائكة دليله نقلي لأن وجود الملائكة لا تدركه الحواس إذ الملائكة غير مدركة بذاتها وغير مدرك أي شيء يدل عليها. وأما الإيمان بالكتب فينظر فيه فإن كان المراد الإيمان بالقرآن فإن دليله عقلي لأن القرآن مدرك محسوس وإعجازه مدرك محسوس في كل عصر. وإن كان المراد الإيمان بغيره من الكتب كالتوراة والإنجيل والزبور فدليله نقلي لأن هذه الكتب غير مدرك كونها من عند الله في كل عصر بل أدرك كونها من عند الله حين وجود الرسول الذي جاء بها، من المعجزات التي جاءت. وقد انتهت هذه المعجزات بانتهاء وقتها، فلا تدرك من بعد أصحابها، بل ينقل الخبر الذي يقول أنها من عند الله وأنها نزلت على الرسول. ولذلك كان دليلها نقلياً وليس عقلياً لعدم إدراك العقل في كل عصر أنها كلام الله لعدم إدراكه إعجازها حساً.”

كما بحث الحزب في مسألة نشأة المتكلمين ومنهجهم، وبيّن أبرز وجوه الخطأ في منهجهم كما ذكرت سابقاً. وجاء في البحث تفصيلاً لدور العقل في البحث الشرعي الأصيل وكيف صار الأمر عند المتكلمين (ص 49- 65). فمثلاً، يقول الحزب في ص 55 “فهذا المنهج من البحث في إعطاء العقل حرية البحث في كل شيء فيما يُدرك وفيما لا يُدرك، في الطبيعة وفيما وراء الطبيعة، فيما يقع عليه الحس وفيما لا يقع عليه الحس يؤدي حتماً إلى جعله الأساس للقرآن، لا جعل القرآن أساساً له، فكان طبيعياً أن يوجد هذا المنحى في التأويل، وكان طبيعياً أن يتجه هؤلاء إلى أية جهة يرونها على اعتبار أن العقل يراها في نظرهم. وهذا يستلزم اختلافاً كبيراً بينهم. فإن أدى النظر قوماً إلى الاختيار وتأويل الجبر، فإنه قد يؤدي النظر غيرهم إلى إثبات الجبر وتأويل آيات الاختيار، وقد يؤدي غيرهم إلى التوفيق بين رأي هؤلاء ورأي هؤلاء برأي جديد. وبرز على جميع المتكلمين أمران؛ أحدهما: الاعتماد في البراهين على المنطق وتأليف القضايا لا على المحسوسات، والثاني: الاعتماد على تأويل الآيات التي تخالف النتائج التي توصلوا إليها.”

وقال في ص 62 “أن منهج المتكلمين يُعطي العقل حرية البحث في كل شيء، فيما يحس وفيما لا يحس، وهذا يؤدي حتماً إلى جعل العقل يبحث فيما لا يمكنه أن يحكم عليه، ويبحث في الفروض والتخيلات، ويقيم البرهان على مجرد التصور لأشياء قد تكون موجودة وقد لا تكون موجودة، وهذا يؤدي إلى إمكانية إنكار أشياء موجودة قطعاً إذا اخبَرَنا عنها من نَجزمُ بصدق إخباره ولكن العقل لا يُدركها، ويؤدي إلى إمكانية الإيمان بأمور وهمية لا وجود لها ولكن العقل تخيّل وجودها…”

وقال في ص 63-64 “إن منهج المتكلمين يجعل العقل أساس البحث في الإيمان كله، فترتب على ذلك أن جعلوا العقل أساساً للقرآن ولم يجعلوا القرآن أساساً للعقل. وقد بنوا تفسيرهم للقرآن بمقتضى ذلك على أسسهم من التنزيه المطلق وحرية الإرادة والعدل وفعل الأصلح إلى غير ذلك، وحكَّموا العقل بالآيات التي ظاهرها التعارض وجعلوه الفيصل بين المتشابهات وأولوا الآيات التي لا تتفق والرأي الذي يذهبون إليه حتى صار التأويل طريقة لهم لا فرق بين المعتزلة وأهل السنة والجبرية، لأن الأساس ليس الآية وإنما الأساس عندهم العقل، والآية يجب أن تؤول لتطابق العقل. وهكذا أدى جعل العقل أساساً للقرآن إلى خطأ في البحث، وخطأ فيما يبحث. ولو جعلوا القرآن أساساً للبحث والعقل مبنياً على القرآن لَما وقعوا فيما وقعوا فيه.

نعم إن الإيمان بكون القرآن كلام الله مبني على العقل فقط، ولكن القرآن نفسه بعد أن يتم الإيمان به يصبح هو الأساس للإيمان بما جاء به وليس العقل. ولهذا يجب إذا وردت آيات في القرآن أن لا يحكم العقل في صحة معناها أو عدم صحته وإنما تحكم الآيات نفسها، والعقل وظيفته في هذه الحالة الفهم فقط. ولكن المتكلمين لم يفعلوا ذلك، بل جعلوا العقل أساساً للقرآن، ومن أجل هذا حصل لديهم التأويل في آيات القرآن.”

وهكذا تجد أخي القارئ تبلور ونضج نظرة الحزب للعقل ودوره ومجالاته وحدوده وانضباطه بضوابط الشرع والحس.