العقل ومشروع النهضة لدى حزب التحرير(2-2)

1357

خامسأ: ذكر الكاتب في معرض نقده لمن سماهم العصرانيين أن “علينا أن نحافظ على الأصالة القديمة، فهي والله أفضل بكثير من هذا الجديد القادم لنا من الغرب والشرق وكله يهدف إلى إخراجنا من ثوبنا المحافظ للأسف!” وقبلها أضاف الكاتب المشروعية الإسلامية على الواقع السياسي المعاصر!

وأتساءل: ماذا بقي من الجديد القادم من الغرب والشرق لم يتضمنه واقع دول المسلمين وأنظمتهم؟ فها هي الديمقراطية بجوهرها القائل بسيادة الأمة مسطّر في الدساتير وممارس على أرض الواقع. وها هي طبيعة الدولة الوطنية والقومية على أساس سايكس بيكو وقبلها معاهدة “وستفاليا” تحكم وتسيطر على بلاد المسلمين وتكاد تستقر في عقول أبنائها! وها هو الاقتصاد الرأسمالي بمصارفه الربوية وأسواقه المالية ونظامه النقدي، يهيمن على الأنظمة الاقتصادية في الدولة! ناهيك عن انتشار القواعد الغربية العسكرية في طول بلاد المسلمين وعرضها! وغير ذلك الكثير في مجال الإعلام والثقافة والتعليم والدساتير والقوانين!

فلا أعلم عن أي قادم جديد يشير إليه الكاتب، في حين أن الغرب قد “بلع” العالم الإسلامي وألحقه به سياسيا واقتصاديا وثقافيا! أم أن المحافظة والأصالة بنظر الكاتب هي في جعل هذا الإلحاق مشروعاً واعتبار تلك التبعية شرعاً وفق فهم السلف الصالح للكتاب والسنة؟!

سادساً وأخيراً: قال الكاتب “وعلى الأمة الإسلامية أن يتوحد إعلامها في مشروع حضاري يقدم الإجابة عن كل التساؤلات بأسلوب يواكب معطيات العصر ولا ينسلخ عن أصالة الفكر الإسلامي الوسطي”.

أقول، نعم، هنا يقدم حزب التحرير ثقافة عريضة لأنظمة في الحكم والاقتصاد والاجتماع والعقوبات والسياسة الخارجية ومناهج التعليم وغير ذلك. أنظمة وأحكام تؤسس لحياة إسلامية وحضارة متميزة.

فها هو الحزب على سبيل المثال يقدم مشروعاً لدستور دولة الخلافة (191 مادة)، يضعه بين أيدي المسلمين ـ وهم يعملون لإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، وإعادة الحكم بما أنزل الله ـ ليتصوروا واقع الدولة الإسلامية، وشكلها وأنظمتها، وما ستقوم بتطبيقه من أنظمة الإسلام وأحكامه. وهذا الدستور هو دستور إسلامي، منبثق من العقيدة الإسلامية، ومأخوذ من الأحكام الشرعية بناء على قوة الدليل. وقد اعتُمِدَ في أخذه على كتاب الله وسنة رسوله، وما أرشدا إليه من إجماع الصحابة والقياس. وهو دستور إسلامي ليس غير، وليس فيه شيء غير إسلامي، وهو دستور ليس مختصاً بقطر معين، أو بلد معين، بل هو لدولة الخلافة في العالم الإسلامي، بل في العالم أجمع، باعتبار أن دولة الخلافة ستحمل الإسلام رسالة نور وهداية إلى العالم أجمع، وتعمل على رعاية شؤونه، وضمه إلى كنفها، وتطبيق أحكام الإسلام عليه.

وها هنا بعض المواد المنتقاة من الدستور المذكور (من غير الشرح والاستدلال).

المادة (6) “لا يجوز للدولة أن يكون لديها أي تمييز بين أفراد الرعية في ناحية الحكم أو القضاء أو رعاية الشؤون أو ما شاكل ذلك، بل يجب أن تنظر للجميع نظرة واحدة بغض النظر عن العنصر أو الدين أو اللون أو غير ذلك”

المادة (10) “جميع المسلمين يحملون مسؤولية الإسلام، فلا رجال دين في الإسلام، وعلى الدولة أن تمنع كل ما يشعر بوجودهم من المسلمين”

المادة (12) “الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس هي وحدها الأدلة المعتبرة للأحكام الشرعية”

المادة (13) “الأصل براءة الذمة، ولا يعاقب أحد إلا بحكم محكمة، ولا يجوز تعذيب أحد مطلقاً، وكل من يفعل ذلك يعاقب”

المادة (21) “للمسلمين الحق في إقامة أحزاب سياسية لمحاسبة الحكام، أو الوصول للحكم عن طريق الأمة على شرط أن يكون أساسها العقيدة الإسلامية، وأن تكون الأحكام التي تتبناها أحكاماً شرعية. ولا يحتاج إنشاء الحزب لأي ترخيص. ويمنع أي تكتل يقوم على غير أساس الإسلام.”

المادة (22) “يقوم نظام الحكم على أربع قواعد هي:

  • السيادة للشرع لا للشعب.
  • السلطان للأمة.
  • نصب خليفة واحد فرض على المسلمين.
  • للخليفة وحده حق تبني الأحكام الشرعية فهو الذي يسن الدستور وسائر القوانين.”

المادة (28) “لا يكون أحد خليفة إلا إذا ولاه المسلمون، ولا يملك أحد صلاحيات الخلافة إلا إذا تم عقدها له على الوجه الشرعي كأي عقد من العقود في الإسلام.”

المادة (39) “ليس للخليفة مدة محدودة، فما دام الخليفة محافظاً على الشرع منفذاً لأحكامه، قادراً على القيام بشؤون الدولة، يبقى خليفة ما لم تتغير حاله تغيراً يخرجه عن كونه خليفة، فإذا تغيرت حاله هذا التغيّر وجب عزله في الحال”

المادة (62) “الجهاد فرض على المسلمين، والتدريب على الجندية إجباري، فكل رجل مسلم يبلغ الخامسة عشرة من عمره فرض عليه أن يتدرب على الجندية استعداداً للجهاد. وأما التجنيد فهو فرض على الكفاية”

المادة (90) “لمحكمة المظالم حق عزل أي حاكم أو موظف في الدولة، كما لها حق عزل الخليفة، وذلك إذا اقتضت إزالة المظلمة هذا العزل”

المادة (113) “الأصل أن ينفصل الرجال عن النساء ولا يجتمعون إلا لحاجة يقرها الشرع، ويقر الاجتماع من أجلها كالحج والبيع”

المادة (115) “يجوز للمرأة أن تعين في وظائف الدولة، وفي مناصب القضاء ما عدا قضاء المظالم، وأن تنتخب أعضاء مجلس الأمة وأن تكون عضواً فيه، وأن تشترك في انتخاب الخليفة ومبايعته”

المادة (118) “تمنع الخلوة بغير محرم، ويمنع التبرج وكشف العورة أمام الأجانب”

وفي النظام الاقتصادي يقدم الحزب نقداً عميقاً لأسس النظام الاقتصادي الرأسمالي والاشتراكي، ويقدم نظرة متميزة للنظام الاقتصادي في الإسلام، سواء فيما يتعلق بأنواع الملكيات الثلاث وأسبابها، أو أحكام الشركات وتنزيلها على الواقع المعاصر، أو النظام النقدي في الدولة، وغير ذلك.

وفي السياسة الخارجية ينخلع الحزب من الواقع الذي صنعه الغرب على عين بصيرة، ويرجع إلى أحكام الشرع بمبدئية ووضوح. فمثلاً في المادة 188 يقول “حمل الدعوة الإسلامية هو المحور الذي تدور حوله السياسة الخارجية، وعلى أساسها تبنى علاقة الدولة بجميع الدول”، ويقول في المادة 191 “المنظمات التي تقوم على غير أساس الإسلام، أو تطبق أحكاماً غير أحكام الإسلام، لا يجوز للدولة أن تشترك فيها، وذلك كالمنظمات الدولية مثل هيئة الأمم، ومحكمة العدل الدولية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وكالمنظمات الإقليمية مثل الجامعة العربية”.

وهكذا يسير الحزب في دراسة الأحكام وتبني ثقافته ملتزماً طريقة الإسلام في ذلك، غير متهيب من مخالفة تيار سائد معاصر أو تاريخي. وإن حالت جدران التعصب عند البعض لمعرفة وإدراك هكذا ثقافة فخسارة، ولكنها خسارة في الحقيقة لأصحابها. أما حركة التاريخ ومسيرة الأمة فواضح أنها باتجاه خلافة على منهاج النبوة؛ تحكم بما أنزل الله حقاً وعدلاً.