نور مبدئي يبدد ظلمة الطائفية والعنصرية

تموج المنطقة بأمواج من النزعات والنزاعات الطائفية والعنصرية، وتغص الساحات الأرضية والفضائية بشتى أنواع “محطات” التقوية لتلك النزعات والنزاعات، وتتداخل الانتهازية بالمذهبية والطائفية والعنصرية لتعمل في جسد الأمة الواحد تشتيتا وتفريقا وتقتيلا. وقلّما يجد المراقب موقفا مبدئيا يتجاوز هذه العقبات، يطرح نفسه من غير تصنيف أو خندقة!

إلا أنني قبل أيام قد وقفت على أحد هذه المواقف المبدئية النادرة! وهو محتوى لقاء مسؤولي حزب التحرير في لبنان مع السفير الإيراني هناك، بناء على طلب الأخير، تداول فيه المجتمعون الأوضاع السياسية عموما والأحداث السورية خصوصا.  وليسمح لي القارئ بنقل مجمل ما تم في الاجتماع (بتصرف يسير واختصار من كتاب نشره الحزب) ليتبين لنا معنى الموقف المبدئي الفكري والسياسي.

“هل قام نظام الجمهورية الإيرانية ليطبّق الفكرة الإسلامية القائمة على العقيدة الإسلامية والمتجسّدة في أحكام الشريعة دون سواها؟

داخليا، ومن خلال مراجعة السياسات التعليمية والثقافية والإعلامية للنظام الإيراني يخرج المراقب بخلاصة واضحة: وهي أنّ هذه السياسات إنّما قامت على نزعة قومية فارسية واضحة، وأنّه لم تُراعَ الناحية الإسلامية إلا من خلال مسحة تجميلية لإضفاء الشرعية الإسلامية على الدولة والمجتمع في إيران. فقد اشترط الدستور الإيراني أن يكون الرئيس إيرانيا ومن أبوين إيرانيين، ويجعل النظام السياسي الدولة لإيران فقط وليس للأمة الإسلامية. ولم يجعل اللغة العربية – وهي لغة الإسلام- لغة رسمية في الجمهورية، وما زال الجدل يدور حتّى الآن في إيران حول الهوية الإيرانية والهوية الإسلامية، وما الاستمرار في الاحتفال بما يسمّى بعيد النوروز إلا مثالا على الاحتفاظ بالنـزعة القومية. ولا يخفى ما أثارته هذه النـزعة من إثارة للعصبيات بين الفرس من جهة وسائر سكان إيران من العرب والبلوش والأكراد وغيرهم من الجهة الأخرى.

كما أن الواجب الشرعي يحتّم النظر إلى المسلمين بصفتهم أمّة واحدة، لا شعوبًا وأممًا ودولا يفصل بينها ما يسمّى بحدود وطنية تمزّق الأمّة. ولكنّ الناظر في واقع السياسات الإيرانية الخارجية المتّبعة عبر العقود الثلاثة الماضية يجد أنّ شيئًا من هذا لم يحدث. والذي حدث لم يتعدّ رفع الشعارات البرّاقة في الظاهر والخاوية من أيّ محتوى عملي.

ولقد جاءت السياسة الخارجية لنظام الجمهورية الإيرانية لتؤكّد النـزعة القومية في التفكير والتصرّف العملي. فهذه السياسة لم تستهدف يومًا توحيد الأمّة الإسلامية في إطار الإسلام الذي يقتضي بناء الدولة الإسلامية الجامعة، فعلا لا تنظيرا أو أقوالا.

;فالجمهورية الإيرانية في علاقاتها مع الكيانات القائمة في العالم الإسلامي لم تلتفت إلى مقتضيات الشرع الإسلامي، بل بنت هذه العلاقات على أسس فاسدة تكرّس ما أوجده الاستعمار من أوضاع كارثية في العالم الإسلامي، فراحت تتحالف مع النظام البعثي العلماني في سوريا، ليس فقط في سياق مواجهتها لحرب “صدام حسين”، بل وصولا إلى هذه اللحظة التي يرتكب فيها النظام البعثي في سوريا بحقّ شعبه من الجرائم ما ارتكبه الشاه بحقّ أهل إيران في عهده البائد.

ولطالما كانت المناورات السياسية والعسكرية الإيرانية لفرض الهيمنة والنفوذ في الخليج الإسلامي، والجدل حول فارسية هذا الخليج أو عروبته في وقت بسطت أميركا هيمنتها عليه- لطالما كان دليلا على الخلفية القومية العنصرية للسياسة الخارجية الإيرانية.

وفي أفغانستان نجد أنّ النظام الإيراني رحّب بالاحتلال الأميركي لأفغانستان ونسّق معه! و كان الواجب الشرعي يقضي بنصرة أبناء الأمّة ضدّ المحتلّ والعمل على منع احتلاله أيّ أرض إسلامية.

وكذلك في العراق نجد أنّ إيران عمدت إلى تطبيع الأوضاع في ظلّ الاحتلال الأميركي من خلال الجماعات التي تدين لها بالولاء في هذا البلد، بل وصل الأمر إلى درجة مشاركة إيران رسميا في اجتماعات التنسيق الأمني المباشر التي يشرف عليها الاحتلال الأميركي، ومن ثمّ زيارة الرئيس الإيراني للعراق في ظلّ الاحتلال ولقاء أدوات هذا الاحتلال داخل المنطقة الخضراء التي يسيطر عليها جيش الاحتلال سيطرة كاملة! وكان الواجب الشرعي يفرض عدم السماح لأميركا باحتلال العراق، وإذا ما حصل هذا الاحتلال رغمًا عن المسلمين فالواجب الشرعي يفرض رفع راية الجهاد صراحة وعلانية لتحرير الأرض الإسلامية، لا للضغط على المحتلّ من أجل مقاسمته مكاسب الاحتلال. والمسلمون الذين أذلّوا السوفيات في أفغانستان ويكبّدون احتلال الناتو اليوم أفدح الخسائر، وكذلك المجاهدون الذين مرّغوا أنف جيش الدفاع “الاسرائيلي” في لبنان قادرون على دحر المحتلين من العراق وأفغانستان. ولكن أنّى لإيران أن تدحر الأميركيين بينما يصرّح قادتها أنّه لولا تعاون إيران لما تمكّنت أميركا من احتلال أفغانستان؟! فقد نقلت صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية في 9/2/2002 عن الرئيس الإيراني السابق “رفسنجاني” قوله: “إنّ القوات الإيرانية قاتلت طالبان وساهمت في دحرها، وإنّه لو لم تساعد قوّاتهم في قتال طالبان لغرق الأميركيون في المستنقع الأفغاني”.  وفي 15/1/2004 وقف “محمّد على أبطحي” نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية في ختام أعمال مؤتمر الخليج وتحديات المستقبل في إمارة أبو ظبي ليعلن أنّ بلاده “قدّمت الكثير من العون للأميركيين في حربيهم ضدّ أفغانستان والعراق”. أليس في هذا كلّه تسهيل وتطبيع مع الاحتلال الأميركي؟!

أمّا عن قضية فلسطين، فإنّ الواجب الشرعي القاضي بوجوب تحرير كلّ شبر فيها، لا يتمّ عبر دعم تنظيمات مسلّحة لا تملك من أمرها شيئًا، أو عبر إعلان يوم سنوي للقدس في رمضان من كلّ عام، أو عبر التحالف مع النظام السوري الحريص على عدم تكدير صفو اليهود ولو بخرمشة على جبهة الجولان؟! ولو كان النظام الإيراني جادًّا فيما يرفعه من شعار تحرير الأقصى والقدس لاتّبع السبل والوسائل التي توصله إلى ذلك فعلا لا قولا.

وأمّا عن الموقف الإيراني من النظام البعثي الحاكم في سوريا، فلقد شكّل وقوف إيران بجانب هذا النظام في سوريا القشّة التي قصمت ظهر البعير, ولا ندري إن كان هناك متّسع من الوقت لتخلّص إيران نفسها من هذه الورطة التي جنتها على نفسها ولطّخت بها تاريخها “الثوري” كلّه، إذ استدعت السؤال المشروع التالي: إذا كانت الثورة الإيرانية قد انتفضت ضدّ ظلم الشاه وإجرامه، فكيف تبرّر اليوم وقوفها إلى جانب النظام البعثي في سوريا الذي ضاهى في جرائمه ما ارتكبه شاه إيران سيء الذكر من قتل لعباد الله وسفك لدمائهم وتكسير لعظامهم وقلع لأظفار أطفالهم وتهجير لعائلاتهم بعد قطع الماء والكهرباء عن دورهم، دون مراعاة لحرمة شهر رمضان الكريم أو أيّ حرمة أخرى… وهذا كلّه بعد عقود من الممارسات العلمانية التي انتهكت من مقدّسات الإسلام وحرماته ما انتهكت ونشرت من الموبقات والرذائل ما نشرت! لا شكّ أنّ هذا الموقف ينقض كلّ تاريخها وشعاراتها في نصرة الشعوب المستضعفة في كفاحها لنيل حقوقها والتخلّص من الظلم الواقع عليها؟! إذ كيف للنظام الإيراني أن يدعم النظام البعثي في حربه على أهل سوريا في الوقت الذي يرفع فيه عقيرته بالاحتجاج على ممارسات النظام في البحرين ضدّ ثوّار البحرين؟! أليس في هذا من التناقض ما لا يخفى على أولي الألباب؟!”

وختم اللقاء بالقول بأن “لا حاجة للتذكير بأن حزب التحرير إنّما يبني نظرته إلى القضايا كلّها على أساس الإسلام، نظرة صافية نقيّة لا تشوبها شائبة، لا قومية ولا وطنية ولا مذهبية ولا طائفية، فالحزب يوجّه دعوته لكلّ مسلم أينما وجد.

فإن كان لدى الإخوة في إيران النيّة الصادقة لبحث هذه الأمور بصدق وشفافية فحيهلا، وسيجدون أنّ قلوبنا وعقولنا مرحّبة بالنقاش الجادّ الهادف إلى نصرة هذا الدين وإعلاء كلمة الله. أمّا التوقّف عند المعالجات السطحية والمجاملات الشكليّة مع البعد عن السياسة الإسلامية الصافية، فلن يزيد النظام الإيراني إلا بُعدًا عنّا وعن سائر الأمّة”.

كم نحن بحاجة لمثل هذا الخطاب السياسي والفكري الهادئ والذي يرتفع فوق الواقع الفاسد محلّقا هناك؛ حيث أجواء المبدأ الصافية الواضحة.