مونديال كأس العالم 2022

“يوم من أيام العرب”، “إنجاز تاريخي كبير”، ” شرف كبير”.  هذه بعض التوصيفات لفوز قطر في استضافة مباريات كأس العالم لكرة القدم 2022م.

لعلي أقتنص الفرصة، ليس للمباركة أوللقفز فرحاً، ولكن لبيان معنى الشرف والإنجاز الحضاري واليوم التاريخي، خاصة في ظل اختلاط المفاهيم، واختلال المقاييس إن لم يكن ضياعها، مما أدى إلى استيرادها كعادتنا في الاستيراد ليتم صياغة كل شيء في حياتنا؛ لم نفرح وكيف نفرح؟ لم نحزن؟ كيف نلهو؟ كيف نحكم وكيف نقتصد وكيف نجتمع؟! إلى غيرها من صياغات.

إن الحضارة تعني باختصار طريقة حياة، فهي تقوم على عقيدة عقلية سياسية ينبثق عنها مفاهيم عن الحياة في جوانبها المختلفة وتحدد معنى السعادة. والحضارات تتميز بهذه المحددات، فالرأسمالية لها عقيدتها ومفاهيمها، والاشتراكية لها عقيدتها ومفاهيمها، كما أن للإسلام عقيدته ومفاهيمه. وعندما يريد الرأسمالي إبراز حضارته فإنه يركز على طريقته في الحكم الجماعي ويسلط الضوء على ممارساته الديمقراطية مثلا، أو يروج لسياسات السوق وحرية التملك، أما السعادة فهي تحصيل أكبر قدر من المتع والملذات، فيتفرع طبيعياً عن ذلك صناعات الترفيه واللهو المنظم وصورههما المختلفة من جنس منظم ولعب منظم وعنف منظم وقمار منظم ومخدرات منظمة وغيرها من أدوات متعة و”إسعاد”.

أما في الإسلام فالأمر جد مختلف. فللإسلام عقيدته الإسلامية التي تنظر للكون والإنسان والحياة وتربطهم بإحكام بما قبل الحياة الدنيا وما بعدها من خلال علاقة الخلق والبعث والحساب، وما ينبثق عن تلك العقيدة من مفاهيم عن الحياة، وما تحدده من معنى للسعادة، وهي الطمأنينة الدائمة من خلال نوال رضوان الله. والالتزام بهذه المفاهيم وتطبيق الأنظمة والأحكام هو ما يبرز حضارة الإسلام وتوازنه في تحقيق القيم المادية والإنسانية والخلقية والروحية في المجتمع.

وهكذا تتمايز الحضارتان وتتميز طريقة الحياة فيهما؛ الإنسان في الرأسمالية يسير في الحياة ونصب عينيه المتع والملذات، بينما في الإسلام يسير الإنسان في الحياة ونصب عينيه رضوان الله تعالى “ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا”.

عندما تستقر الأمم والشعوب على وجهة نظر في الحياة وعلى أنظمة وطريقة حياة متناسقة، فتحسم وتحدد ما تريد، تنطلق بعدها للحياة والإنجاز والحركة المنتجة والبحث في التفاصيل، أما وأنها لم تحسم قضاياها الكبرى ولم تحدد نظرتها للحياة ولم تستقر على أنظمة راكزة، أنّى لها أن تنتج وتتحرك بشكل مشرف ؟!  كما هو حال الأمة الإسلامية، كل شيء تقريبا عندها مؤقت وتناقضاتها في كل جوانب حياتها، واقعها باختصار شاذ وشخصيتها منفصمة، وزاد على حالها تسلط الغرب علي مقدراتها بالنفوذ السياسي بل واحتلال بعض بلادها بشكل مباشر. أنّى لهذه الأمة، والحال هذه، أن تفكر في إنشاء أعلى ناطحة سحاب، وأكبر ساعة، وأطول منحدر ثلجي في وسط الصحراء، وإن هي عدلت عن الخرسانة فإنها تتجه نحو الكنافة لتسجل رقما قياسياً لأكبر صحن كنافة !

في الأصل، وحسب علمي، فإن الأمة الإسلامية لم تعرف في عصر نهضتها  فكرة اللهو المنظم، ولم تعرف مؤسسات اللهو المنظم وصناعاته، فكيف تعتبر الأمة في عصر انحطاطها هذا – تنظيم المونديال إنجازاً حضارياً؟

إن الحضارة ليست باتساع الخطوط السريعة بل باتساع الرؤية، والحضارة ليست بعلو المباني بل هي برقي المعاني، والحضارة ليس بإنتاج المال وبعثرته بل بحسن بتوزيعه واستثماره، الحضارة باختصار عقيدة وإنسان وأفكار، فماذا لدى دولنا من عقيدة وإنسان وأفكار؟