هل صمدت الوحدة الوطنية أمام الفتنة الأخيرة ؟

747

الآن، وبعد أن اجتاحت المجتمع عاصفة فتنة الاعتداء على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وبعد أن اجتاحت المجتمع فتن سابقة، ولعل الجميع الآن يلتقط الأنفاس استعدادا لخوض العاصفة القادمة – حريّ بنا أن نقف بهدوء وبتفكر عميق على حقيقة مجتمعنا الذي سرعان ما يتفكك ويتحلل أمام الأزمات، وتبرز فيه الاستقطابات الحادة، وتحفر فيه الخنادق العميقة. فلماذا هذه الهشاشة في الرابطة المجتمعية؟ ولماذا يرفع الجميع شعار الوحدة الوطنية ويتغنى به دونما أي تأثير على مسألة الوحدة؟ وما هي الصيغة الصحيحة للربط بين أفراد المجتمع؟ أسئلة أساسية في قضية وجود المجتمع وجوهره…أسئلة تحتاج لنظرة ترتقي فوق الواقع وتخرج عن الركام العاطفي وتتجاوز ما هو سائد وما هو كائن إلى ما يجب أن يكون.

إن المقام لا يسمح لبسط الحديث والتفصيل الدقيق في ماهية المجتمعات وكيفية نشوئها، لذا أكتفي بالاختصار والتمثيل البسيط فأقول ابتداء، إن الذي يجعل مجتمع ما مجتمعا هو ذاته الذي يجعل من مائة نفر يعيشون في قرية صغيرة يشكلون مجتمعا، بينما ألف شخص يتجمعون في باخرة عملاقة، كالتايتانك مثلا، لا يشكلون مجتمعا !فما هو الفرق بين التجمعين؟ لماذا اعتبرنا الأول مجتمعا ولم نعتبر الثاني كذلك؟

الجواب، أن ثمة علاقات نشأت بين أفراد التجمع الأول، اكتسبت صفة الديمومة لوجود أفكار عامة متفق عليها ومشاعر وأنظمة تطبق هذا المتفق عليه. واحتاج الناس في عيشهم وعلاقاتهم الدائمية هذه إلى رابطة تجمعهم، تحدد الداخل والخارج، أي ترسم الهوية وتحدد الحقوق والواجبات. فهل تصلح الرابطة الوطنية لأن تقوم بهذا الدور؟ هل يصلح الوطن؛ وهو موطن أو مكان الإقامة، هل يصلح لأن يوحّد تطلعات الناس ووجهات نظرهم وأهدافهم في الحياة؟ ما دخل الأرض في النظرة إلى الرموز التاريخية مثلا؟ أوما هو رأي الأرض في علاج مشكلة التضخم؟ أوماذا تقول الأرض في الهدف من الحياة؟ الجواب بملء الفم لا شيء، ولا تثريب على الوطن، لأنه خلق كبقعة جغرافية لا كعقيدة أو مبدأ أو فكر يعالج مشاكل الحياة. نعم، إن “الوحدة الوطنية” لا يمكن لها أن تربط الناس ربطا دائميا صحيحا، لأن الربط الدائمي يتطلب، كما قدمت، اتفاقا على نظرة معينة “مسبقة” للمصالح، والرابطة الوطنية مجردة لا توفر هذه النظرة، فيكون بالتالي اللجوء إليها لجوء العطشان إلى السراب يحسبه ماء!!

وأسارع بالقول، إن الأرض يمكن أن توحد موقف قاطنيها في حال كان الجميع عرضة لعدوان خارجي، أي في حال الحرب والقتال لصد تهديد خارجي مباشر. إلا أنه لا يخفى أن حالة الحرب والعدوان هذه هي حالة استثنائية وطارئة في مقاييس البشر وليست دائمية وأصلية، وبالتالي لا يصلح الطارئ والاستثنائي لبناء مجتمع وتكوين علاقات دائمية مستقرة، كما أن ارتباط الناس لدفع العدوان الخارجي ينتهي بانتهاء العدوان. ولربما هذا ما يفسر لجوء الدول، بين الفينة والأخرى، إلى إثارة أو حتى اختراع عدو خارجي لإنعاش الارتباط المجتمعي وبث الحياة فيه.

إن حبي لبلدي لا شأن له في نهضة بلدي، فذلك عاطفة وغريزة وذاك عقل وفكر، وفرق شاسع بين بقاء العيش على الأرض وكيفية العيش عليها، الأولى يشترك فيه الإنسان مع الحيوان، والثاني يفترق فيه الإنسان عن الحيوان، أليس كذلك؟

إن الشعوب والأمم هي التي تصبغ البلاد التي تعيش عليها بقناعاتها ومفاهيمها وليس العكس، لذا كانت الأرض في ثقافة الإسلام والمسلمين توصف بحسب الحكم المطبق عليها وليس العكس. والرابطة المجتمعية إنما تنبثق من المفاهيم والأحكام الشرعية، والتي تحدد مفاهيم دار الإسلام واستحقاق الرعوية الإسلامية أو بمعنى دستوري تحديد الحقوق والواجبات، وغيرها من أحكام ذات صلة.

إن الفتنة الأخيرة التي مر بها المجتمع، حري بها أن تفتح الأذهان على هشاشة المجتمع ووحدته الوطنية التي لم تحل بين تناثر الناس وتفرقهم، والتي أثبتت أنها لا تصلح لأن تربط بين من يريد السير في طريق النهوض. ما يصلح لذلك هو، إجمالا، قوله تعالى “ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا”، أما تفصيلا فلربما لي وقفة معه مستقبلا ان شاء الله.