الإسلام أساس الدستور والدولة والمجتمع وليس فقط مصدر القوانين

1211

لا يخفى الجدل الحاصل في المجتمع الكويتي حول قضية تعديل المادة الثانية من الدستور والتي تنص على أن “ دين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع” والسعي نحو جعل الشريعة المصدر الرئيسي أو الوحيد للتشريع. ولست هنا بصدد المناقشة القانونية لصلاحية التغيير وأثره.إنما أنا بصدد إلقاء الضوء على ما هو أساسي وما هو جذري في قضية إيجاد الشرع في واقع الحياة.

إن مسعى جعل الشريعة مصدر التشريع يُفهم في سياق حركة الأمة في هذه المرحلة التاريخية التي نشهدها؛ التي يظهر فيها تجاوز الأمة لتيارات وأفكار اليسار والعلمانية والليبرالية والشيوعية، وتكوّن رأي عام متقدم للإسلام. وحيثما يُيمّم المرء ببصره في المنطقة فسيجد للإسلام وأفكاره العامة القبول والتفاعل والحركة. إلا أن هذه الحركة وهذا التيار العام مازال بحاجة لمن يتقدمه برؤى مفصلة ومحددة لمعالجات الإسلام وأنظمته في الحياة، خصوصا في ناحيتي الحكم والاقتصاد باعتبار أنهما من أعظم ما فتن به المسلمون وأشد ما يعانون من بلاء في واقع حياتهم.

بدايةً أقول أن هناك فرقاً كبيراً بين أن يكون القرآن والسنة هما الأساس للتشريع، وأن يكون القرآن والسنّة أو العقيدة الإسلامية – للدقة – هي الأساس للدستور.

فكون العقيدة الإسلامية أساس الدستور يعني أنها هي الباعث على إقامة الدولة والمحددة لشكلها. وأن الدولة هي دولة للمسلمين جميعاً، بل هي دولة للناس جميعاً، ولا تستثني العجم أو العرب الآخرين أو غير المسلمين من تابعيتها. أما الباعث على انشاء الدولة الوطنية (الكويت مثلاً) فأمر مختلف جذرياً. ففي تصدير دستور الكويت لعام 1962 نقرأ التالي”نحن عبد الله السالم الصباح أمير دولة الكويت،، رغبةً في استكمال أسباب الحكم الديمقراطي لوطننا العزيز، وإيماناً بدور هذا الوطن في ركب القومية العربية وخدمة السلام العالمي والحضارة الإنسانية…صدّقنا على هذا الدستور” كما تنص المادة الأولى من الدستور على أن “ الكويت دولة عربية مستقلة ذات سيادة تامة…وشعب الكويت جزء من الأمة العربية”. وفي المقابل، وحين البحث في الدساتير التي بين أيدينا أجد أساس الدستور والدولة واضحاً ودقيقاً في مشروع دستور حزب التحرير (191 مادة) والذي قال عنه الحزب أنه مشروع دستور لدولة الخلافة، وضعه كي يتصور المسلمون واقع الدولة الإسلامية. وأنه دستور إسلامي، منبثق من العقيدة الإسلامية، ومأخوذ من الأحكام الشرعية، بناءً على قوة الدليل. ولكي نزداد بياناً في تصور معنى جعل الإسلام أساس الدستور والدولة ليسمح لي القارئ بنقل – بشيء من التصرف- المادة الأولى والسبب الموجب لها من مشروع الدستور المشار إليه.

“ المادة1: العقيدة الإسلامية هي أساس الدولة، بحيث لا يتأتّى وجود شيء في كيانها أو جهازها أو محاسبتها أو كل ما يتعلق بها، إلاّ بجعل العقيدة الإسلامية أساساً له. وهي في الوقت نفسه أساس الدستور والقوانين الشرعية بحيث لا يُسمح بوجود شيء مما له علاقة بأي منهما إلاّ إذا كان منبثقاً عن العقيدة الإسلامية.

…ثم إن الدولة الإسلامية أقامها الرسول صلى الله عليه وسلم على أساس معيّن؛ فيجب أن يكون هذا الأساس هو أساس الدولة الإسلامية في كل زمان ومكان. فإنه عليه السلام حين أقام السلطان في المدينة وتولى الحكم فيها، أقامه على العقيدة الإسلامية من أول يوم ولم تكن آيات التشريع قد نزلت بعد، فجعل شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله أساس حياة المسلمين، وأساس العلاقات بين الناس، وأساس دفع التظالم وفصل التخاصم، أي أساس الحياة كلها وأساس السلطان والحكم. ثم لم يكتف بذلك بل شرع الجهاد وفرضه على المسلمين لحمل هذه العقيدة للناس، قال صلى الله عليه وسلم: (أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عَصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام، وحسابهم على الله)، ثم جعل المحافظة على استمرار وجود العقيدة أساسا للدولة فرضاً على المسلمين وأمر بحمل السيف والقتال إذا ظهر الكفر البواح، أي إذا لم تكن هذه العقيدة أساس السلطان والحكم، فقد سئل عن الحكام الظلمة “شرار الأئمة” أنُنابذُهم بالسيف قال: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة). فهذا كله يدل على أن أساس الدولة هو العقيدة الإسلامية. وبناءً على هذا وُضعت المادة الأولى من الدستور، ومنعت من أن يكون لدى الدولة أي مفهوم أو قناعة أو مقياس غير منبثق عن العقيدة الإسلامية، إذ لا يكفي أن يُجعل أساس الدولة اسماً هو العقيدة الإسلامية، بل لا بد أن يكون وجود هذا الأساس فيها ممثَّلاً في كل شيء يتعلق بوجودها، وفي كل أمر دَقَّ أو جَلَّ من أمورها كافة…فلا يُسمح بمفهوم الديمقراطية أن يُتبنى في الدولة لأنه غير منبثق عن العقيدة الإسلامية فضلاً عن مخالفته للمفاهيم المنبثقة عنها، ولا يجوز أن يكون لمفهوم القومية أي اعتبار لأنه غير منبثق عن العقيدة الإسلامية فضلاً عن أن المفاهيم المنبثقة عنها جاءت تذمّه وتنهى عنه وتبين خطره، ولا يصح أن يكون لمفهوم الوطنية أي وجود لأنه غير منبثق عن هذه العقيدة الإسلامية، فضلاً عن أنه يخالف ما انبثق عنها من مفاهيم. وكذلك لا يوجد في أجهزة الدولة وزارات بالمفهوم الديمقراطي، ولا في حكمها أي مفهوم إمبراطوري أو ملكي أو جمهوري لأنها ليست منبثقة عن عقيدة الإسلام وهي تخالف المفاهيم المنبثقة عنها. وأيضا يُمنع منعاً باتاً أن تجري محاسبتها على أساس غير العقيدة الإسلامية لا من أفراد ولا من حركات ولا من تكتلات، ويُمنع قيام حركات أو تكتلات على أساس غير العقيدة الإسلامية.

وأمّا الأمر الثاني في المادة فإن دليلها أن الدستور هو القانون الأساسي للدولة، فهو قانون، والقانون هو أمر السلطان، وقد أمر الله السلطان أن يحكم بما أنزل الله على رسول الله عليه الصلاة والسلام.. قال الله تعالى:(فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شجر بينهم)، وحصر تشريع الدولة بما أنزل الله محذرا من الحكم بغيره، قال تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) …فهذا يدل على أن تشريعات الدولة محصورة بما ينبثق عن العقيدة الإسلامية، وهي الأحكام الشرعية التي نعتقد أن الله أنزلها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء أكان إنزالها صريحاً بأن قال هذا حُكم الله وهو ما تضمنه الكتاب والسنّة وما أجمع عليه الصحابة بأنه حكم الله، أم كان إنزالها غير صريح بأن قال هذه علامة حكم الله، وهو ما يؤخذ بالقياس الذي علّته شرعية. ولهذا وًضع الأمر الثاني من المادة.” انتهى

هنا يتبين لنا أثر العقيدة الإسلامية في النظرة للحياة وفي منهج الاستدلال وفي أساس الدولة. فالقضية ليست في تعديل مادة أو مواد في الدستور تضفي عليه مسحة دينية، بينما يكون الدستور نفسه والأنظمة والقوانين والسياسات التي تطبق في الداخل والخارج من غير الإسلام. مثلما أن قضية إيجاد الإسلام في واقع الحياة تتطلب مستوى آخر في التفكير والعمل؛ مستوى نخرج فيه من أسر الأطر القانونية والتفصيلات المحلية (مواد، وزارات، انتخابات…الخ) إلى رحاب الاشتغال بإيجاد المبدأ والدولة والأنظمة والحضارة.