لا مدنية ولا إلهية… بل بشرية

مع بزوغ شمس الانتفاضات التغييرية على الأرض العربية، ومع وجود الحركات ذات الطابع الإسلامي المنتشرة في الشرق الأوسط، إضافةً إلى تأثير هذه الحركات في اللعبة السياسية إن صح التعبير. ومع انتشار فكر علماني في أوساط هذه الاحتجاجات والانتفاضات، وتخوف شديد من انتقال السلطات في مكان ما إلى الإسلاميين. كل ذلك أدى إلى ظهور دعوات وأطروحات حول المآل الذي يجب أن تكون عليه الدول بعد هذه الانتفاضات. ومن بعض تلك الدعوات الجدل الدائر بكثرة حول مفهوم الدولة المدنية والدولة الدينية، وكأننا نعيش في ظلمات القرون الوسطى حيث الصراع محتدم بين رجعية الكنيسة و “تقدمية” الملحدين! فتم استجلاب مشكلة من بيئة مختلفة واستجلاب حل من بيئة مختلفة كذلك! فصرنا أمام حل مزعوم لمشكل موهوم! وكم أعجب من أقوام أدمنوا الاستيراد والتقليد حتى في المشاكل! مع أننا ببساطة مسلمون، ولنا مبدؤنا الذي نستقي منه الأفكار والمفاهيم والأحكام والأنظمة.

على أية حال، عند وقوفي على مصطلح الدولة المدنية وجدت أنه ببساطة ودون تعقيد يُقصد به الدولة التي تقوم على أنظمة وضعية، يتواضع عليها الشعب ويقبل بها ويطبقها على نفسه دون إجبار من دين أو عرف، بالضبط كمعظم دول العالم اليوم. أما الدولة الدينية فهي الدولة التي تحكمها المؤسسة الدينية ويمثّل حاكمها ظل الله في الأرض، وهو وكيل عنه يطبق أحكامه، لذلك هو معصوم لا يخطئ. هذه الدولة غير موجودة اليوم في الواقع، بل يستحيل أن توجد في واقع الحياة، وإن وجدت شبيهاتها في عصور الظلام في أوروبا، إلا أن الدين فيها كان يُسخّر لأغراض الملوك موهمين الناس أنه هو المحرّك الحقيقي للدول لا الحكم.

وقد يذهب التفكير بعيداً جداً إن ظن البعض أن الدولة الدينية تنطبق على بعض الدول اليوم كجمهورية إيران مثلاً، أو المملكة العربية السعودية، لأن هذه الدول تُطبق القوانين التي تواضع عليها البشر، صحيح قد تكون القوانين متأثرة بالأعراف والدين والعادات، إلا أن الدين والأعراف والعادات لم تكن أبداً المجبر لتطبيق القانون في هذه الدول، بل رضى البشر عليه هو ما جعله قانوناً ملزماً. ومن جهة أخرى، فإن من طبيعة الدين الاسلامي أنه ينظم جميع شؤون الحياة من حكم واقتصاد وسياسة خارجية وقضاء..الخ الأمر الذي لا يُلاحظ في أي من الدول القائمة اليوم.

والسؤال الذي يطرح نفسه: إذا كانت الدولة الدينية هذه ليست موجودة على أرض الواقع، ومن الواضح أنها ليست موجودة في أي من أطروحات الحركات السياسية، إذن لماذا هذا النقاش حولها والأخذ والرد؟ الحقيقة إن هذه الدولة وإن لم تكن موجودة في الواقع ولا يوجد من يطرحها من الحركات السياسية إلا أنها موجودة بل وبقوة في أدمغة العلمانيين والمثقفين الجدد، الذين يطرحونها تخويفاً من أي نظام سياسي قائم على الإسلام، ومن جهة أخرى يتبرأ منها كثير من السياسيين الإسلاميين والحركات التي ترفع شعار الاسلام قابلين بالتهمة الموجهة إليهم! بين هذا وذاك أصبح للدولة الدينية واقع وتنظير ونقض وأخذ ورد.

بقيت مسألة لا بد من توضيحها في هذا السياق، وهي متعلقة بالإسلام بنظامه السياسي، بمعنى آخر مسألة الدولة الإسلامية التي تُعتبر جزءاً لا يتجزأ من الإسلام، ما هي هذه الدولة؟ هل هي دولة مدنية؟ أم دينية؟ أم ماذا؟

وللإجابة على هذا السؤال لا بد لنا أن ندرك أن نظام الحكم في الإسلام هو الخلافة، فهو ليس جمهورياً ولا ملكياً. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة…» الحديث. والدولة الإسلامية المسماة خلافة دستورها وقوانينها أحكام شرعية، فهي ليست قوانين وضعية يتواضع عليها البشر ويرضونها لأنفسهم، بل هي أحكام الله يفهمها البشر ليطبّقوها على أنفسهم لأنها من الله لا لأنهم قبلوا بها والفرق بين هذا وذلك كبير جداً. قال تعالى: “وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك “. والحاكم في الدولة الإسلامية هو الخليفة، الذي يبايعه الناس على الكتاب والسنة برضى منهم دون إجبار، يختارونه من بينهم ليحكمهم بالإسلام لا بشيء آخر، فالناس تختار الحكام لا النظام، أي أن الحاكم بشر يختاره بشر ليحكم البشر، وهو – أي الحاكم – لا يمثل الله في الأرض ولا هو ظله، وإنما هو مطبق لشرعه في الأرض في دولة تحكم بالإسلام. فهو –أي الحاكم- بشر يخطئ ويصيب غير معصوم، يُحاسب من قبل الناس، ولا يأخذ صلاحياته بالحكم إلا برضى الناس به بالبيعة، ويُعزل إذا وجب عزله، بل ويُقاتل إذا أظهر الكفر البواح.

إن أحكام الدولة الإسلامية الواردة في الفقه الإسلامي يستحيل إيجازها في مقال، ولكنني أريد توضيح أن إلصاق مصطلح الدولة الدينية بالإسلام أينما يُطرح هو إلصاق خبيث يراد به تشويه الإسلام، لأن الدولة في الإسلام ليست دينية البتّة، وهي ليست مدنية أيضا يحكم فيها البشر أنفسهم بعقولهم، بل هي دولة بشرية، يحكمها البشر بفهمهم لشرع الله، حكامها بشر يُحاسبون ويُعزلون ويُقاتلون. ولا يحتاج المرء لقبول مصطلحات غريبة عن الشرع وعن الذوق الاسلامي ويتكلف في تحويرها وتأويلها ليُخرج لنا مفهوما مشوها اسمه “دولة مدنية ذات مرجعية دينية”!