علاج الفرقة في المجتمع

614

من المعروف لكل قارئ مبتدئ لسيرة النبي عليه الصلاة والسلام أنه قد بدأ يقيم العلاقات بين الناس في مجتمع المدينة على أساس العقيدة الإسلامية، ودعاهم ليتآخوا في الله أخوين أخوين، أخوة يكون لها الأثر الملموس في معاملاتهم وأموالهم وسائر شؤونهم، فآخى بين المسلمين، فكان هو وعلي بن أبي طالب أخوين، وكان عمه حمزة ومولاه زيد أخوين، وكان أبوبكر وخارجة بن زيد أخوين، وآخى بين المهاجرين والأنصار.  ولا أريد التفصيل في ذلك لاشتهاره.

فما هي المسافة بين نهج النبي عليه السلام في توحيد صف الناس وجمعهم على أساس وغاية مشتركة وواقع مجتمعنا اليوم؟

المسافة شاسعة! فالتفرق في المجتمع حاصل بلا جدال ويأخذ صوراً مختلفة، منها الطائفي والعنصري والعائلي.  بل إن من صور التفرق عندنا ما يصرّ على ثنائية خيالية ترتبط بالخيام والمضارب والمراعي والمنازل والمدينة والبادية !

وداخل هذه الثنائيات تتشقق تفرعات آخرى حسب تواريخ قدوم الآباء والأجداد للبلد! أو حسب درجة الجنسية، أو حسب مكان الهجرة، وغير ذلك من تقسيمات مضحكة مبكية!

من الواضح أن المجتمع يعاني من استقطابات حادة ومزمنة، وفيه القابلية إن صح التعبير للتفكك والتحلل بسهولة إلى عناصر أولية،  تبرز فيها شعارات وأفكار مستبطنة لم تنجح الدولة في إذابتها في بوتقة جامعة.  الأمر الذي يدفع لأن توضع الصيغة الحالية للربط بين أفراد المجتمع على بساط البحث؛ البحث عن أسباب ضعف الرابطة المجتمعية الوطنية، والبحث عن الصيغة الصحيحة للربط، بدلاً من إصرار الجميع على وحدة وطنية والتغني بها، بما لا يتجاوز الغناء والألحان !

على عجالة أقول، إن الرابطة الصحيحة التي تصلح لأن تربط الإنسان بالإنسان هي الرابطة العقائدية التي ينبثق عنها نظام يعالج مشاكل الإنسان في حياته كلها وينظم علاقات الأفراد في المجتمع الواحد.  فقد هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في الوقت الذي كانت فيه غارقة في حروب دامية مستعرة ونزاعات قبلية مستمرة استمرت لسنوات طويلة، ولم تتوقف هذه الحروب إلا بعد دخول الإسلام إليها والتفاف الناس حول العقيدة الواحدة عقيدة التوحيد، قال تعالى ” لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ “.  وقال عز من قائل “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ “.  فالاعتصام بحبل الله المتين هو الذي يجعل المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. وخلاف ذلك هو ما نشاهده في مجتمعات المسلمين اليوم.

 ومن جهة أخرى، فإن الجماعة البشرية الطبيعية المستقرة يكون فيها النظام السياسي راعياً لشؤون الجماعة (الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته)، وتكون أفكار الناس ومشاعرهم موحدة تجاه كيفية العيش وقضاء المصالح، فليس من السياسة الرشيدة، والحال هذه، اتباع نهج تشييع الناس وتفريقهم، وضرب هذه الفرقة بتلك، وإثارة الخلافات وحفر الخنادق بين الناس وجعلهم أقطاباً متنافرة، ما إن تقترب حتى تبتعد!

وليس من السياسة الرشيدة أيضاً ممارسة تكتيكات السياسة الخارجية في الداخل، بأن ترضي هذه القوى على حساب تلك، أو أن تحالف هذه الطائفة أو الفئة ردحاً من الزمن ثم تنقلب عليها، كلا لا تحتاج السلطة لكل هذا. ذلك أن الدولة باختصار هي كيان تنفيذي، يرعى شؤون الناس حسب ما يحملون من قناعات، فالإمام كما قال النبي عليه السلام ” جُنّة يقاتل من ورائه ويُتقى به“، يقاتل من ورائه الأعداء ويتقى به الأخطار والفتن، وليس العكس!