غزة …حتى متى نعدُّ شهداءها عدّاً؟!

401

غزة مع الأسف…كلاكيت للمرة الألف! السيناريو يتكرر مراراً وتكراراً، وردات الفعل على الجريمة، تدور مع الأسف الشديد في ذات الفلك، وتحت ذات السقف، وبجانب ذات الحائط!

إن النشاط السياسي العام لا يرتق البتّة إلى مستوى الحدث. فجزء واحد من الحدث، وهو دم مسلم واحد أعظم حرمة من هدم الكعبة حجراً حجراً، وكما جاء في الحديث عن الرسول عليه السلام “والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا”. فهل هذه الدماء الطاهرة المهراقة  يوازيها طلب لانعقاد اجتماع لرؤساء العرب مكرر ومملول؟! أم هل توازي أطنان الأدوية والأغذية أطنان المتفجرات التي تلقى على رؤوس المسلمين في غزة؟ أم هل يا ترى تخصيص جلسة لمجلس “الأمن” سينهي رعب غزة؟!

إن هذا السقف المنخفض للمطالبات يرتبط في جزء كبير منه بمذهب فكري شائع، هو البراغماتية وعنوانه بالعامية “خلّك واقعي”! هذا المذهب يرغم أتباعه على أن يروا علاج المشكلات بمنظار “شيخهم” الواقع الدولي والإقليمي، وما هو ممكن ومتاح، وليس بما هو يجب أن يكون. هذا المذهب يقتضي نسبية المواقف والخضوع لإرادة القوي، والحركة ضمن قواعد المرور الدولية والأميركية تحديداً!

 براغماتية تتفرع عنها  “ديبلوماسية فقهية” تلحن ولا تصارح!! غريب أمر هذه الديبلوماسية التي أمضى أصحابها السنون الطوال في حفظ المتون والتنظير والتأصيل، غريب أمرها عندما يغيب عنها أبجديات أحكام الجهاد ورد العدوان. أليس الحكم الشرعي في مثل هذه الحالة هو وجوب الجهاد؟ لماذا الحديث عن الدعاء والتبرعات والأدوية  وفتح باب التطوع، وعن كل شيء، كل شيء، إلا الجهاد الذي تمارسة الجيوش المدربة والمسلحة بشتى أنواع العتاد؟!

نعم، يجب الخروج عن قواعد الواقع السياسي الحالي المفروض على المسلمين، قواعد اللعبة التي تحكم حركة المسلمين العملية، والتي وان كانت حركة مخلصة، لكنها ستكون حركة مخلصة في ظل وضع خاطئ. قواعد اللعبة التي من مفرداتها ما يسمى بالمجتمع الدولي ومجلس أمنه، والحدود الشاذة التي رسمها الاستعمار لتشكيل الدول الوطنية، والأنظمة التي صنعها الغرب على عين بصيرة وأناط بها مسؤولية الحفاظ على الوضع القائم، وغير ذلك من مفردات. إن القبول بالأمر الواقع، والقبول بالخيارات الذي تحددها الأنظمة، لن يخرجنا من حلقات الدماء. فالجرائم في تاريخنا المعاصر لا يمكن حصرها، ولكن بالتأكيد يمكن حصر ردات الأفعال الموازية؛ قانا ومسيرات، جنين وتبرعات، أحمد ياسين ومهرجانات، أبو غريب ومناشدات، وهلم جرّاً.

لقد تبين بما لا يدع مجال للشك، أن أقصى قدرة للحركات المجاهدة في فلسطين هي في إيلام العدو الغاصب ومقاومته والصبر على ذلك. وأي عاقل يعلم علم اليقين أنّ غزّة لا ينقذها إلا جيش أو جيوش، وأن الأسير بحاجة الى التحرير، والتحرير الكامل لا تقوم به إلا الجيوش.

واجب الدفاع عن الأمم والشعوب، وواجب تحقيق مصالحها تقوم به الجيوش وليس ربات الخدور. والذي يواجه الدبابة الاسرائيلية يجب أن يكون دبابة مثلها أو أقوى منها، جيش.. وليس صدر طفل أعزل!

إن قواعد التفكير والحركة السياسية يجب أن تتغير، والحديث عن حل المشكلة جذرياً لا بد أن يكون جذريًا حقًا، فالقضية في الأساس هي في وجود كيان مغتصب لفلسطين، وفلسطين ليست هي قضية أهل فلسطين أو العرب وحدهم، بل هي في واقعها قضية إسلامية، وليست هي كذلك أراض الـ67 أو معابر أو حواجز أو قدس شرقية وغربية…إلخ، إنها ببساطة قضية أرض إسلامية وقضية مقدسات إسلامية اغتصبها اليهود بمؤازرة من دول الغرب، وعلى رأسها بريطانيا وأميركا.

وإن من يظن أن في الاعتماد على الغرب وتحركاته السياسية وإرسال المبعوثين يغدون ويروحون نفعاً لقضايا الأمة، يكون واهماً مخدوعاً، هذا مع افتراض حسن النية في من يظن، فكيف بمن يعتمد على الغرب ويواليه؛ يداوي عامداً بالتي كانت هي الداء؟ لذا كان واجباً تجاوز تشكيلات المجتمع الدولي و “شرعيته”، فهي ذات الشرعية التي أوجدت كيان (إسرائيل) وهو ذات المجتمع الدولي الذي يرعى كيان (إسرائيل). ويجب كذلك تجاوز التشكيلات الإقليمية بمختلف عناويناه وأسمائها، فالواقع يشهد على عجزها.

إنّه لمما يدمي القلب ويحيّر العقل أن لا تكون الأمّة الاسلامية طرفاً في هذا الصراع.  فهذه الأمّة هي ربع سكان الأرض، ولديها معظم ثروات الارض، وتحت أقدامها ممرات مائية وبرية استراتيجية، ولديها قبل كل شيء عقيدة صحيحة هي عقيدة الاسلام. أمّة كهذه يجب أن يكون وزنها ثقيلاً، فلماذا ليست هي طرفاً في الصراع؟ ولماذا يكون تأثيرها صفراً مطلقاً في أية قضية من قضايا العالم فضلاً عن قضاياها هي؟

السبب هو في اختطاف الإرادة السياسية المستقلة للأمة، ولا سبيل إلى الخروج من هذا الكابوس والمأزق الحضاري إلا باستعادة إرادة الأمة من خلال دولة مركزية تحمل عقيدتها، وتطبق نظامها، وتوحد صفوفها، وتدافع عنها، وتسخر مواردها في اتجاه التحرير والنهضة.  ينطلق عليها حقاً وصدقاً قوله عليه السلام ” إنما الإمام جُنّة، يُقاتل من ورائه ويُتّقى به”. بغير هذا لن تنصر غزة، ولن تغاث امرأة مسلمة استصرخت حميّة المسلمين فلم يجيبوها، وسنظل نعد الشهداء عدّاً!!