الربيع الإسلامي …من قواعد الحكم (1)

640

مازالت الأنظار شاخصة على المنطقة تتابع أحداثها أولا بأول، وتترقب ما تتمخّض عنه من تغييرات، والكثير يساهم في محاولة رسم ملامح شكل المنطقة بعد انقشاع غبار الاحتجاجات والانتفاضات وتفتّح أزهار ما يُسمّى بالربيع العربي.

ومع كثرة الشعارات والأفكار المطروحة في الساحة ومن مختلف الاتجاهات، إلا أنها تشترك –في معظمها- في انطلاقتها من المساحات التي يسمح بها الأمر الواقع؛ سواء تمثّلت في أفكار سائدة أو حدود قائمة أو إلزامات واستحقاقات دولية تلزم للعيش في “المجتمع الدولي”.

فدولة الربيع العربي الجديدة قطرية ديمقراطية مدنية، والهوية وطنية، والاقتصاد رأسمالي، والسياسة الخارجية تحترم الشرعة الدولية، وغير ذلك من قوالب مكررة، طبعا مع عدم إغفال الإسلام كأعياد ومناسبات دينية وأحوال شخصية!

أما إن كانت النظرة إسلامية مبدئية “أيدولوجية” فسيكون الربيع مختلفا جذريا عن كل هذا.  والسبب في رأيي، ببساطة، أن الإسلام جاء من خارج الواقع لمعالجة الواقع، أي أن الواقع في الإسلام هو موضع الأحكام وليس مصدرها، فسَلَمَت بذلك عقيدة الإسلام وأحكامه، كونها من لدن لطيف خبير- سلمت من أعراض النقص والعجز والخطأ والتبديل والتغيير التي تعتري أفكار ورؤى البشر.  وبَسط الحديث عن ملامح هذا الربيع الإسلامي يحتاج لمقالات ومطوّلات لا يسعها المقام، ولعلي أكتفي ببعض اللمحات هنا وهناك لإبراز المعنى.

بدايةً أقول أن أساس تصوير الحياة في الإسلام هو في جعل أعمال الإنسان مسيّرة بأوامر الله ونواهيه، وأن الغاية من ذلك هي نوال رضوان الله تعالى، والتي بها تتحقق السعادة، وليس بإشباع أكبر قدر من جوعات الإنسان وغرائزه، كما هو حال الحضارة الغربية الرأسمالية.

أما من ناحية النظام السياسي، فإن جوهر أي نظام سياسي يكمن في فكرة “السيادة” أوSovereignty  .   وقد تأرجحت هذه السيادة – في الفكر البشري- بين سيادة الفرد “الملك” في الأنظمة الملكية، وسيادة الشعب أو الأمة في الأنظمة الديمقراطية.  وفي هذا السياق ذكر الدكتور عبد الحميد متولي أستاذ القانون الدستوري والأنظمة السياسية “ …ولذلك يرى البعض بحق أن نظرية سيادة الأمة لم تكن إلا بمثابة استبدال “الحق الإلهي” للملوك بالحق الإلهي للشعوب، أو بعبارة أخرى بمثابة نقل لنظرية الحق الإلهي من الملوك ووضعها على لسان الأمة، أي أن الأمة هي التي أصبحت تنادي بنظرية الحق الإلهي”. وبدون الغوص أكثر في التفاصيل، فإن المعنى القانوني المعاصر للسيادة هو “ السلطة العليا المطلقة التي تفردت وحدها بالحق في إنشاء الخطاب الملزم المتعلق بالحكم على الأشياء والأفعال”.  فهي سلطة لا يعلوها ولا يشاركها أحد في حقها بتحديد المحظور والمسموح، ويكون تحديدها هذا إنشائيا وليس بنائيا، أي أن لا تكون ثمّة مرجعية، سواها، يُرجع لها لاستنباط الأحكام. وكما نصّ إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر سنة 1789 على أن (الأمة هي مصدر كل سيادة).

ومن يتأمل في هذا المعنى للسيادة، من وجهة نظر الإسلام، يجد أنها قطعا للشرع.  فليس للمسلم، حاكما كان أو محكوما، أن يسير وفق هواه أو أن يخضع لمخلوق، بل هو ملزم بتسيير إرادته حسب مقتضيات الشرع “ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم”.  فالمشرّع هو الله “إن الحكم إلا لله” حصرا وقصرا، وليس للأمة ولا للخليفة في دولة الإسلام حق التشريع.  ويظهر أن قاعدة “السيادة للشرع” جعلت نظام الحكم في الإسلامي يتفرّد بتحقيق المعنى الجميل لسيادة القانون.  هذا المعنى الذي أوهم أو توهّم الديمقراطيون أنهم حققوه، بينما هم في الواقع جعلوا السيادة نظريا للأغلبية على الأقلية (وعمليا لقلة قليلة من المتنفذين الرأسماليين).  فالأغلبية هي من تضع القانون وهي من تغيره، فكيف يكون القانون سيدها؟! أما الإسلام فضمن بإبعاد التشريع عن هوى الإنسان- ضمن ألا يستعبد القوي الضعيف، ولا الغني الضعيف، بل الجميع يخضع لشرع الله.

أما تنفيذ الشرع فقد خاطب الله تعالى المسلمين جميعا بالتنفيذ، فجعل بذلك للأمّة سلطان التنفيذ لا التشريع، وبيّن الإسلام كيفيّة التنفيذ؛ ففرض أن يختار المسلمون من يرتضونه من بينهم ليحكمهم بشرع الله. فكانت قاعدة “السلطان للأمة” من قواعد نظام الحكم في الإسلام. وهي قاعدة استمدت من نصوص شرعية قاطعة حقّة تزهق باطل أنظمة حكم الفرد وحكم الفئة وحكم الحق الإلهي المزعوم. هذه القاعدة للحكم أُخذت من نصوص متضافرة دلت على أن المسلمين هم الذين يقيّمون الخليفة، ويبايعونه على كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، ونصوص أخرى دلت على أن الخليفة إنما يأخذ السلطان بهذه البيعة.  هذه القاعدة من الخطورة والأهمية بمكان؛ بحيث يصل حكم التعدي عليها إلى درجة القتل! وها هو عمر بن الخطاب يؤكد على ذلك بقوله «إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم» وقوله «من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرةً أن يقتلا» وقوله للستة «من تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه».

هذا التفصيل والتحديد لمفاهيم السيادة والسلطان يشكل جدارا عازلا يحول دون نفاذ مفاهيم الديمقراطية والملكية الوراثية؛ فالسيادة للشرع لا للأمة، والسلطان للأمة لا للفرد.  ولعل في قوله تعالى “ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا” زيادة بيان، حيث أن لولي الدم الحق وسلطان التنفيذ، إما قصاصا أو ديةً أو عفوا، ولكن من أعطاه هذا الحق إبتداءً؟ هل كان ذلك من خلال أغلبية الأمة؟ أم كان ذلك آليا من عند نفسه؟ كلا! إنشاء الحق وتحديده كان لله عز وجل، وهو قوله “جعلنا”. وكذلك في منظومة الحكم، أنشأ الشارع أوامر ونواهي في شتى مجالات الحياة و”جعل” سبحانه وتعالى سلطان التنفيذ للأمة، تختار من بينها، بعقد البيعة عن رضا واختيار، من ينفذ عليها الأحكام الشرعية. ولا تتوقف مفاعيل سلطان الأمة عند اختيار الحاكم فقط، بل إنها تبرز كذلك في محاسبة الحكام، التي أولاها الإسلام عناية فائقة، يقوم بها الأفراد والأحزاب ومجلس الأمة والقضاء، ليس فقط ممارسةً لحق من الحقوق إنما كذلك أداءً لواجب شرعي (فرض كفاية) يترتب عليه الثواب والعقاب. فاقتصار الاعتبار على جانب “الحق” فقط يسمح بتركه لسبب أو لآخر، بينما اعتبار المحاسبة واجبا يؤدي إلى تعميق المفهوم وتركيزه ودوامه، ويؤدي إلى بذل الوسع في ممارسته والإحسان في ممارسته.