الربيع الإسلامي …هوية الدولة وسياستها الخارجية ( 2 – 2)

تحدثت في المقال السابق عن بعض ملامح نظام الحكم في الإسلام، وتحديدا مفهومي السيادة للشرع والسلطان للأمة، واستكمالا للموضوع من زاوية طبيعة الدولة وسياساتها، أقول إن الدولة القطرية أو القومية غريبة كل الغرابة عن طبيعة الدولة الإسلامية.  فالدولة إسلامية مبدئية، وليست عنصرية؛ يستحق فيها الإنسان الحقوق وتُستوجب عليه الواجبات حسب أحكام المبدأ، وليس حسب أحكام النسب والدم والعنصر والأرض! بل إن المسلم من غير رعايا الدولة لا يستحق الحقوق التي لغير المسلم الذي هو من رعايا الدولة، فمثلا اليهودي المقيم في دولة الإسلام يستحق نصيبه من النفط  بمجرد إقامته وقبوله بنظام الإسلام، بينما المسلم الخارج على دولة الإسلام ليس له من النفط قطرة واحدة!

أما في واقعنا المعاصر فالعالم الإسلامي يعيش وضعا شاذا، حيث آثار الاستعمار الغربي مازالت بادية وراسخة في حدود، بل خطوط جغرافية طارئة مزقت الأمة وفرقتها أيدي سبأ!

هذا الوضع الشاذ سيعتبره “الربيع الإسلامي” أولوية قصوى لإبطاله وإرجاعه إلى أصله، ليس على شكل جامعة شكلية كجامعة “الخمول” العربية، وليس على شكل منظمة مؤتمر إسلامي هزيل وهزلي! وليس على شكل فيدرالي أو كونفدرالي…الخ، بل دولة وحدة مركزية واحدة، تضع نصب عينها قوله عليه السلام “إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما”. ومن أولى خطوات التصحيح رفض وإلغاء أي سفارة لدولة بلد، عربي أو إسلامي، في الدولة الإسلامية الناشئة وعدم اعتبار شأن تلك البلاد من شؤون السياسة الخارجية، بل يجب أن يُعمل لتوحيدها كلها في دولة واحدة. 

وغني عن القول، أن هذه الطبيعة الأممية المبدئية للدولة الإسلامية ستصطدم مع عرف “عالمي” عام بدأ تقريبا من معاهدة وستفاليا (عام 1648 ) والتي تُعتبر أول اتفاق دبلوماسي في العصور الحديثة ترسي نظاما جديدا في أوروبا الوسطى على أساس مبدأ سيادة الدول والتأسيس لقواعد ما يُسمى بالأسرة الدولية.

وحين التدقيق في أساس هذه الأسرة الدولية نجد أنها قواعد تاريخية تقليدية للدول الرأسمالية تتحكم – وحدها- في المجموعات البشرية الموجودة في العالم كله، ضاربة عُرْضَ الحائط بما عند باقي الدول من أعراف وأفكار، وإن قبل الدخول فيها الكثير من الدول.  والذي زاد الطين بلة هو أن الدول الرأسمالية هذه، لم تترك أمر تنفيذ القواعد التقليدية، التي صارت فيما بعد القانون الدولي، إلى العامل المعنوي، كما هي الحال في الأعراف الدولية، ولم تتركها تنفذ على من التزم بها فقط! بل جعلتها تُنفذ بالقوة على جميع دول العالم.

ونشأ وضع دولي شاذ، احتكرت فيه خمسة دول من بين 223 دولة (2.2%!) حق النقض في عالم يزعم الديمقراطية وتقديس حق الأغلبية.

ولا يخفى أن الاستمرار في العيش بهذا الوضع الشاذ يورث الشقاء والتعاسة.  فلا بد من الثورة عليه والارتفاع عليه والتفكير خارج نطاقه.

إن المجتمع الدولي عبارة عن مجموعات بشرية تنشأ بينها علاقات، ولكل مجموعة من هذه المجموعات حق السيادة، وحق الإرادة بشكل مطلق غير مقيد، فأي إجبار خارجي لهذه المجموعة أو هذه الدولة ومنعها من تنفيذ ما تقرره، يعني سلب السيادة عنها، وهذه هي العبودية التي تتمثل في الاستعمار وفرض السيطرة والإجبار بالقوة. لذلك لا يصح أن توجد قوة فوق المجموعات البشرية تكون سلطة عالمية تحكم عدة دول، بل يجب أن تظل المجموعات البشرية مجموعات لها كيانها، ولها سيادتها، ولها إرادتها. وإذا كان لا بد من تكوين هيئة أو جماعة دولية من هذه المجموعات، فيجب أن تنشأ هذه المجموعة تأسيسيا ممن يريد مختارا أن يكون فيها، بغض النظر عن نوع أنظمتهم، وبغض النظر عن مقدار قوتهم ونفوذهم، لا أن تقوم بإنشاء الهيئة الدولية دولة معينة لها مفاهيم معينة، أو دولة معينة تتمتع بقوة تفوق قوة سواها! كما لا يصح أن تكون دولة عالمية. وأن تترك الحرية لكل دولة لم تشترك في التأسيس أن تشترك في الجماعة الدولية في كل وقت تريد، ويكون لها ما للمؤسسين من الحقوق والواجبات، وأن يكون للجميع حرية ترك الجماعة الدولية في أي وقت يريدون تركها، وألا يفرض على أي أحد تنفيذ القرارات بالقوة.

وللتمثيل أقول، أنه لا شأن للهيئات الدولية بالتدخل في مفهوم الأمة الإسلامية في نظرتها للعلاقة بين الرجل والمرأة فتحاول أن تفرض عليها (كما حصل في مؤتمر السكان في القاهرة في نهايات القرن المنصرم) مفهوما خاصا في أنواع الارتباط الجنسي بين الرجل والمرأة، وبين الرجل والرجل، وبين المرأة والمرأة!

ولا شأن للهيئات الدولية كذلك بالتدخل في أن يطبق المسلمون حد الردة أو حد الزنا على المخالف، فهذه مفاهيم خاصة لأمة، وليست هي من نوع المشاكل التي تنشأ في إدارة المكالمات الهاتفية الدولية أو حركة السفن في أعالي البحار!

كما أنه لا شأن للدولة الإسلامية في فرض وجهة نظرها في كيفية مواراة الثرى على الميت في بلد ما، اعتاد أهله على حرق الرفات ورميه في البحر مثلا. 

أما من حيث القانون فلا يصح أن يكون لدول العالم قانون دولي، وإنما يكون لها قانون إجرائي فقط، ينظم شؤونها الإدارية، ويبين كيفية إدارة أعمالها.  ويكون للهيئة الدولية سالفة الذكر النظر في الأعراف الدولية، وفي مخالفاتها، وتدخل فيها الأعراف بشأن الاتفاقات الدولية، من حيث عقدها، وتنفيذها، والتحلل منها، وما شاكل ذلك. على أن تكون الأعراف الدولية أعرافا حقا وليس قرارات تضعها بعض الدول! فالعرف الدولي -كما العرف المحلي- ينشأ بسبب اتباع الدول والمجموعات البشرية له، ويكون قد أخذ طور العراقة كي يستقر، وأن يتكون الدافع الذاتي لوجوب اتباعه. وهذا العرف الدولي لا يصح تنفيذه على الدول بالقوة، بل ينفذ عن طريق الرأي العام، وبالعامل المعنوي،ولا حاجة للتنفيذ بالقوة. ذلك أن قوة الرأي العام ضد الدولة المخالفة للعرف يجبر الدول إجبارا طوعيا وذاتيا أكثر من الإجبار الخارجي المادي، ويكون ذلك هو طريقة تنفيذ العرف الدولي.

وخلاصة هذه الجزئية، أنه لا يجوز للدولة الإسلامية الاشتراك في المنظمات التي تقوم على غير أساس الإسلام، أو تطبق غير أحكام الاسلام، وذلك كمنظمة الأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، وصندوق النقد الدولي..الخ

وفي نفس سياق السياسة الخارجية، فإنه سيتم فعلا إحياء الأحكام الشرعية التي صار مكانها مع الأسف بطون الكتب، وستلألأ مرة أخرى أحكام المعاهدات الجائزة الشرعية، وأحكام التعامل مع الدول المحاربة حكما والدول المحاربة فعلا، وقبل كل هذا سيكون حمل الدعوة الإسلامية هو المحور الذي تدور حوله السياسة الخارجية للدولة الاسلامية، لا أن تكون سياسة الدولة الخارجية تابعة أو تدور في فلك أميركا وغيرها من الدول الكبرى؛ تدعم  القتال مثلا في أفغانستان حينا وتعتبره جهادا لأن أميركا اعتبرته قتالا من أجل الحرية، وحينا آخر تحارب القتال في أفغانستان لأن أميركا اعتبرته إرهابا!

كلا، لن تتكر في الربيع الإسلامي مشاهد النكد تلك التي نرى فيها مبعوثي الدول الكبرى يراجعوننا في كشوف حسابات التبرع وصناديق الصدقات!

ولن تتكرر مشاهد جيوش الدول الكبرى، ينطلقون من بلاد المسلمين ليرموا بحممهم وقنابلهم كي” يصدموا” و”يرعبوا” المسلمين في بلد آخر، مقدمة لاحتلال البلد وتمزيقه!

ولن تتكرر معاونة “اسرائيل” في حصارها للمسلمين في فلسطين، بقطع الطريق أو بحق الأنفاق بالغاز!   وغير ذلك الكثير من المشاهد والكوابيس!