المسكوت عنه في مؤتمر “موقف علماء الأمة من أحداث سوريا” !!

التأم في القاهرة في 13 يونيو 2013 العديد من الروابط والهيئات العلمية الإسلامية والمشايخ البارزين في مؤتمر سموه “موقف علماء الأمة من أحداث سوريا”. وقد دعا المؤتمر إلى الجهاد بالمال والنفس لنصرة الشعب والسوري وغير ذلك من مطالب، سطّرها في أحد عشر نقطة، مفصلة ومنتشرة في كثير من مواقع الشبكة. ولست بصدد التفصيل في تلك البنود إنما بصدد تلميح سريع على ما لم يرد في تلك البنود!

وقبل اللمحة، أقول إن احتفاء الناس بالمواقف التي صدرت عن المؤتمر المذكور، والتي يُشتم منها رائحة العزة والمواجهة، هو مؤشر يكشف عن مدى تطلع الأمة لشيء ولو يسير لما يروي عطشها ويسد جوعها من مواقف العزة والشموخ! تطلع لطالما عبّرت عنه الامة في مواقف سابقة. ولعل القارئ يتذكر كيف تفاعلت الأمة مع مجرّد ترضّي الرئيس المصري محمد مرسي على الصحابة في قلب طهران، وكيف طار في الآفاق مقطع قصير لأحد خطباء الحرم المكي يذكر فيه بوضوح وبقوة الإثم عن القعود لنصرة الشعب السوري، وكيف ارتفع نجم رئيس الحكومة التركية “اردوغان” حينما ترك القاعة غاضباً على “جليسه” شمعون بيريز، وإذا كان ملعب القاهرة الدولي قد هاج وماج بالأمس القريب حينما أعلن الرئيس المصري مقاطعة النظام السوري، فللقارئ الكريم أن يطلق خياله في تصور ردود الأفعال المزلزلة لإعلان الرئيس مرسي إلغاء معاهدة كامب ديفيد وطرد سفير “إسرائيل” من القاهرة!

إذاً، فالأمة على أتم استعداد لاحتضان المواقف التي تعبر عن قناعاتها العميقة والتي تقترب ولو قليلاً من تاريخها المجيد، والأمر جد يسير ومتاح لمن يريد أن ينسجم مع هذه الحالة المشاعرية العامة ولكن بشرط أن تكون له قامةٌ سوية؛ يستطيع أن يرفعها بصلابة واستقامة، بدلاً من حالة الانكسار التي ابتلي بها الكثير!

على أي حال، وعودة إلى موضوع المقال الأساسي، أقول إن بيان العلماء قد سكت عن أمرين أساسيين.

أولاً: إن الدعوة للنفير العام والجهاد بالأنفس والأموال جاءت بعد عامين ونصف من الثورة! وجاءت لفتح باب قد ولجه شباب الأمة منذ فترة طويلة! فلم ينتظر هؤلاء الشباب فتوى أو بيان للقيام بواجبهم، ولا أظن أن هنالك من ينتظر! ولكن السؤال الجوهري: أي شكل من الجهاد تحتاجه الأمة في سوريا، وقبلها في أفغانستان وفلسطين والبوسنة والشيشان…؟

الأعداء في كل تلك الساحات هم كيانات وأنظمة وتشكيلات عسكرية وأمنية، مسلحة إلى أضراسها بشتى أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة والتقليدية والنوعية…فهل من السائغ مواجهة تلك التشكيلات بالقتال الفردي والسلاح الخفيف أم أن الدعوة يجب أن تكون موجهة ومنصبة على القوة الموازية ومظانها؟!

أعجب كثير العجب حينما أجد الخطاب الشرعي لدى الكثيرين يخلو من إشارة ولو بعيدة لمخاطبة وحث الحكومات لتحريك جيوش الأمة للمشاركة العملية، بل لتقدم الصفوف لحسم القضايا في ساحات الوغى! لماذا يتوجه الخطاب للأفراد ويغفل الجيوش؟ هل خرجت الجيوش من دائرة التكليف، أم أن مهامّها ليست كالمهام التي يعرفها بني البشر؟

ربما ينتفي العجب حينما يدرك المرء أن حركة الجيوش في هذا الاتجاه تلزم تجاوز قواعد مهمة وأساسية زرعها الاستعمار في المنطقة وتخطي لصيغة الدولة الوطنية الإقليمية (سايكس-بيكو).  والتفكير في هذا الاتجاه يحتاج إلى أحد أمرين متناقضين؛ ارتفاع عن الواقع المرسوم والمفروض من القوى الغربية أو مجاراة لسياسة دول كبرى تريد التدخل في سوريا وغيرها في الوقت المناسب كما حصل في مرات عديدة!

ثانياً: بيان الغاية من القتال والثورة في سوريا بشكل عام. ذلك أن القتال في حقيقته عبارة عن ممارسة عملية لتحقيق غاية سياسية أو عقدية، مثلما أن الثورة هي ممارسة مجتمعية سياسية عامة لتحقيق تغيير ما. ولا يخفى على المراقب التفاعلات الجارية في الحالة الثورية السورية والصخب الدولي فيما يتعلق بسوريا الجديدة؛ هل سيكون العهد الجديد معبّراً عن تطلعات الأمة الإسلامية لجهة استقلال البلد عن النفوذ الغربي وتحكيم الشرع وإقامة نواة دولة الخلافة، أم سيكون سائراً ضمن النظام الإقليمي وارتباطاته الدولية ومحافظاً على فلسفة وبنى النظام السياسية والأمنية القائمة مع إضافة تعديلات شكلية هنا وهناك كما حصل في مصر وغيرهما من دول الربيع؟  هذه أسئلة ملحّة وضاغطة جداً، والجميع يدلي بدلوه، إلا بيان العلماء!

فهل بعد هذا المسكوت عنه؛ تحريك الجيوش كطريقة ودولة الإسلام كغاية، يمكننا اعتبار بيان العلماء بياناً؟!