السلطان للأمة والسيادة للشرع

483

تم قبول استقالة الحكومة وتعيين رئيس جديد، نتيجة تحركات شعبية غير مسبوقة طالبت برحيل الرئيس الحكومة السابق والقضاء على الفساد وكشف الأطراف المتورطة بفضية الرشاوى والتحويلات المليونية…

وغني عن القول أن الشعب في الكويت جزء من الأمة الإسلامية الكريمة؛ في مشاعرها وتوجهاتها العامة.  وما جرى ويجري في المنطقة العربية (الربيع العربي) له ارتداداته، وإن كانت مختلفة في النوع، ولكنها متفقة في إدراك الناس لقيمتهم الذاتية، وفي قوة إرادتهم، وفي ضعف السلطات الحاكمة أمام التجمعات والتحركات الشعبية المستمرة والحاشدة. وهذا ما جرى! بغض النظر عن التفاصيل … شعب فرض إرادته على السلطة بتغيير رئيس الحكومة.

إن الفساد والأزمة السياسية المستحكمة لا يمكن بأي حال اختزالها في شخص رئيس الحكومة أو فصلها عن طبيعة النظام السياسي، كما أنه لا يمكن بحال إغفال الحكم الشرعي الواجب التنفيذ واللازم حين النظر لجميع شؤون الحياة ومنها الشأن السياسي.

لقد خاطب الله تعالى الأمة بتنفيذ الشرع، فجعل بذلك لها سلطان التنفيذ لا التشريع، وبيّن الإسلام كيفيّة التنفيذ؛ ففرض أن يختار المسلمون من يرتضونه من بينهم ليحكمهم بشرع الله. فكانت قاعدة “السلطان للأمة” من قواعد نظام الحكم في الإسلام. وهي قاعدة استمدت من نصوص شرعية قاطعة تقطع الطريق أمام أنظمة الأسر والأفراد “أشباه الآلهة”. فالناس في الإسلام ينتخبون الحاكم، وينصحوه، ويحاسبوه بشكل فردي وبشكل جماعي، سراً وعلى رؤوس الأشهاد، كل ذلك على أساس الإسلام، فإن ظهر من الحاكم ما يلزم عزله يُعزل.  هذه القاعدة للحكم أُخذت من نصوص متضافرة دلت على أن المسلمين هم الذين يقيمون الخليفة، ويبايعونه على كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، ونصوص أخرى دلت على أن الخليفة إنما يأخذ السلطان بهذه البيعة.  وإذا تم التعدي على هذا الحق حرام قطعاً، ويكون المتعدي غاصباً.فها هو عمر بن الخطاب يؤكد على ذلك بقوله «إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم» وقوله «من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرةً أن يقتلا» وقوله للستة «من تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه».   

كما بين الشرع مفهوم السيادة بأن جعلها قطعاً للشرع، وليس للشعب أو لفئة من الناس، تشرع حسب هواها، كما هو حال النظام الديمقراطي الذي ينص على أن السيادة للأمة. 

إن السيادة في الإسلام هي قطعا للشرع.  فليس للمسلم، حاكماً أو محكوماً، أن يسير وفق هواه أو أن يخضع لمخلوق، بل هو ملزم بتسيير إرادته حسب مقتضيات الشرع.  قال تعالى:

 {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً }

{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }

{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً}

{وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُون.  أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ }

  فالمشرّع هو الله “إن الحكم إلا لله” حصراً وقصراً، وليس للأمة.

أين أنتم من الرد إلى الله ورسوله عليه السلام في حل المشكل السياسي؟ أين أنتم من قوله تعالى ” فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا” ؟ وكم هو معبّر حديث النبي عليه السلام التالي في بيانه لحقيقة وسبب مشكلة المجتمع السياسية الأساسية ” يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن …” إلى أن قال “.. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم”.