قلع النفوذ الغربي مع قلع الطغاة

530

ها هي الأمة الإسلامية تعيش ربيعاً لم تشهد له مثيلا؛ حيث تهب رياح التغيير ، وتجتاح في طريقها حكاماً وتسقط أوهاماً كانت تعتبر مسلمات.

سقط حاجز الخوف، وسقط حاجز اليأس، وسقطت هيبة الطغم الحاكمة، وسقطت السلبية والانتظار.  سقط كل هذا، إلا أنه ثمة فرصة تاريخية كبرى لإسقاط عقبة العقبات، وأقصد النفوذ الغربي الاستعماري في منطقتنا العربية والإسلامية.

لا أكشف سراً عندما أقول أن الغرب قد أناخ بكلكله على المنطقة منذ ثلاثة قرون، حيث أول دخول له مباشر في مصر، مروراً بحقبة الاستعمار المباشر إلى يومنا هذا. صال وجال ويصول ويجول، في مساحات السياسة والاقتصاد والجيش والأمن والثقافة والدين. يقيم حاكماً هنا ويقيل حاكماً هناك، يرسم دولاً (سايكس وبيكو) ويقود جيوشاً (غلوب) ويعين ملوكاً ويقيم ممثليات سامية تأمر وتنهى، يحاصر ويقصف ويحتل ويستغل الأرض والنفط والمال، ينشئ دولة لليهود في قلب الأمة في فلسطين ودولة للنصارى في خاصرة الامة في السودان، ويدس أنفه حتى في كشوفات الجمعيات الخيرية وصناديق التبرعات!

في المشهد الثوري الحالي، كان الموقف الفرنسي فاقعاً! حيث التصريح الشهير لوزيرة الخارجية الفرنسية “مياشل اليو ماري” في 11 يناير أن “ الخبرة المعرفية التي تتمتع بها مصالح الأمن الفرنسية والمعروفة عالمياً، من شأنها أن تساهم في المشاكل الأمنية من هذا النوع” في إشارة منها إلى الاحتجاجات الأخيرة التي حدثت في كل من تونس والجزائر.

أما في العلاقة المصرية الأميركية، فلا أخال القارئ الكريم بحاجة لكثير معلومات كي يعلم مدى ارتباط النظام المصري بالإدارات الأميركية المتعاقبة، وكيف أنه قد تم تسخيره تماماً لخدمة المصالح الأميركية.  فأوباما ومن قبله من  إدارات أميركية وقفوا مع الاستبداد والديكتاتورية في مصر، ولن تمسح كلمة من أوباما أو كلمات ذلك النفاق المتراكم. حتى أن وزيرة الخارجية كلينتون لم تتردد في الوقوف مع موظفها الكبير حينما قالت في البداية أن الحكومة المصرية مستقرة.

أما في ليبيا، فلن ننخدع بمواقف الغرب وما يسمى بالمجتمع الدولي والنظام العربي الرسمي في تباكيهم على دماء الليبيين، بعد أن لفهم الصمت المطبق لمدة أربعة أيام من المذابح! أين كان الجميع طوال أربعة عقود من حكم الطاغية الدموي؟ ما الفرق بين مشاهد دموية بطيئة مستترة ومشاهد دموية سريعة معلنة؟! ألا بعداً للنفاق.

ذكرت صحيفة التليغراف البريطانية في 21 فبراير إن السفير الأميركي في لندن لويس سوسمان “اقترح بأن التحركات البريطانية لإصلاح العلاقات مع القذافي قادت فقط إلى إعطائه مكانة أكبر على الساحة الدولية”.

فيما نسبت الفاينانشال تايمز البريطانية في مارس 2009 إلى سفير أميركا  لدى ليبيا جين كريتز قوله “إن العلاقة العسكرية الجديدة ستبدأ ببرامج تدريب يليها بيع أسلحة غير مهلكة، ونأمل في حال أراد الطرفان أن يتم بيع الأسلحة الفتّاكة خلال أوج العلاقات العسكرية بيننا”.

وقطع الكاتب نيكولاس كريستوف قول كل خطيب حينما كتب في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في 27 فبراير 2011 أن “رئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون زار الشرق الأوسط قبل بضعة أيام واعترف صراحة بأن بريطانيا لفترة طويلة جداً دعمت الأنظمة الاستبدادية من أجل تحقيق الاستقرار”.

إن على الأمة أن تدرك أن جرائم القذافي وأعوانه وجرائم غيره من الحكام هي جرائم أمريكا وأوروبا فهم ليسوا منها برآء.

إن المناخ حالياً متيسر لفصل المنطقة عن النفوذ الغربي، وهو هدف كان يسعى له المفكرون المخلصون منذ أمد بعيد. وبعد أن تحركت الأمة بمجموعها وبدأت خطوات استرداد الإرادة المستقلة والسلطة الذاتية لم يعد أي عمل من الأعمال السياسية وأي هدف من الأهداف السياسية مستبعداً.  فمثلاً أصبحت إمكانية عودة الإسلام إلى الحكم متيسرة، وإمكانية عودة الخلافة متيسرة، وإمكانية تطبيق الشريعة متيسرة، وإمكانية عودة العلاقة مع “اسرائيل” إلى طبيعتها! متيسرة، وغير ذلك من الأهداف الكبيرة، طالما أن الأمة ملكت أمرها وانتزعت سلطانها الذي اغتصبه الحكام ومن ورائهم الغرب المستعمر.

الحمد لله قد انقضت أو كادت أن تنقضي حقبة الحكام العملاء المرتبطين بالغرب، الذي لفظهم كقطع الغيار المستهلكة بعد أن قامت الأمة بلفظهم. ثلاثية تاريخية تتشكل أمام أعيننا؛ انعتاق من النفوذ الغربي وسقوط الطغيان السياسي “الوظيفي” واسترداد السلطان المغتصب، كلها عناصر ان اتحدت مع عنصر “سيادة الشرع”، فسينتج مركباً حضارياً جديداً يزلزل العالم أيما زلزال. دولة إسلامية مركزية تختار الأمة حاكمها بناء على عقيدتها الإسلامية لا العقيدة العلمانية، يكون حقاً وليا لأمرها لا لأمر غيرها، راعياً لمصالحها لا مصالح غيرها.