ما معنى “الشعب يريد اسقاط النظام” ؟

505

شنفت الآذان هذه العبارة طوال الشهرين الماضيين وما زال يصدح بها الشباب الثائر في ميدان التحرير في مصر الكنانة، في حركة يغلب عليها الكثير من العاطفة والحماسة منقطعة النظير، حركة زلزلت الوضع القائم في مصر والمنطقة، ويمكن لها أن تنتج وضعاً جديداً إن هي أدركت فعلاً معنى النظام المراد إسقاطه.

قد ذكرت في مقالي السابق بشأن انتفاضة تونس أن ” الحاكم الفرد، مهما بلغت فرديته، فإنه نتاج نظام داخلي وغطاء خارجي. حيث أن الحاكم الفرد يحكم من خلال أجهزة ومؤسسات من مثل أجهزة الأمن والحزب الحاكم وأحزاب الديكور، والبرلمان الصوري، ودستور وقوانين مفصلة على المقاس، وإعلام وثقافة وأفكار، وغير ذلك من أنظمة وأشكال. فالمشكلة الأساسية في تونس لم تكن في شخص الطاغية بن علي، وإنما في النظام الوضعي الذي تركه من خلفه، الذي ينتج الطغاة ويعيد إنتاجهم وتشكيلهم. أما الغطاء والدعم الخارجي، فهو مكشوف ومفضوح.”.

وأزيد الأمر بلورة ووضوحاً فأقول أن ثمة فرقاً واقعياً بين النظام والسلطة. فالنظام هو الذي يبين شكل الدولة وصفتها، وقواعدها وأجهزتها، والأساس الذي تقوم عليه، والأفكار التي ترعى الشؤون بمقتضاها. ثم يأتي الدستور والقوانين كوعاء يؤطر ويسطر تلك الأفكار. فعندما يكون النظام ديمقراطياً، تكون الفكرة الأساس فيه – كما هو في كل الدساتير الديمقراطية- أن السيادة للأمة أو للشعب مصدر السلطات، وأن الحريات الأساسية مكفولة، ويكون شكل الحكم رئاسياً أوبرلمانياً، وبعض الأنظمة يكون فيها ملك يحكم وبعضها يكون ملك رمزي، وهكذا بقية الأفكار التي تحدد مفاصل الدولة.

إلا أن النقطة الأساس المميزة للأنظمة هي فكرة السيادة؛ لمن الحكم؟ للأغلبية أم للفرد أم للشرع؟ بعد حسم هذه القضية الكبرى تأتي بقية الأفكار والأنظمة تبعاً.

فمثلا في مصر وباقي الدول في المنطقة، فإن السيادة ليست للشرع، بل هي للشعب كما هو مسطر في دساتير الدول وقوانينها. والدولة في الأساس دولة وطنية ورثت حدودها من اتفاقية استعمارية بامتياز، ولا تستحق فيها الحقوق وتستوجب الواجبات بناء على الشرع، وسياستها الخارجية مرتبطة عضوياً بالشرعة الدولية والأمم المتحدة وتوابعها، بل هي تابعة لأميركا والدول الكبرى، ونظام حكمها ليس خلافة، ومرجعها في سن الدساتير والقوانين ليس الكتاب والسنة، واقتصادها يقوم على النموذج الرأسمالي بشكل عام؛ فلا شأن للحكم الشرعي في التخصيص أو التأميم أو الترخيص للمؤسسات الربوية وكازينوهات القمار وسياسات الضريبة، أما القضاء فمعنى استثناء الأحوال الشخصية أن باقي المناحي يحكم فيها بغير الشرع، وهكذا كل مناحي الحياة العامة، السيادة فيها للشعب وليس للشرع.

فالنظام باختصار أفكار ومقاييس وقناعات ودستور وقوانين.

أما السلطة فتتجسد في شخص الحاكم الذي ينفذ الحكم ويرعى الشؤون بحسب النظام، أو في مجموعة أشخاص ينفذون الحكم بحسب النظام. فالسلطة شخص أو أشخاص ينفذون الحكم ويدفعون التظالم ويفصلون التخاصم.

والأصل في كل شعب أن تكون القوة التي تسند السلطة هي قوة الشعب أو قوة أقوى فئة في الشعب. فإن حصل أن استندت السلطة إلى غير قوة الشعب، أي إلى قوة خارجة عن الشعب كالبلاد الخاضعة لنفوذ أجنبي. فيكون الحكم فيها حينئذ وظيفة!إن حصل هذا تدخلت الأمة فوراً باعتبارها صاحبة السلطان فيتم فصل البلد في الحال عن أي نفوذ أجنبي كي تتركز السلطة في داخل البلد وحده. فالحاكم يحكم الناس حسب قناعاتهم لا أن يكون ممثلاً لطرف خارجي يملي عليه أوامره وخطاباته، كما تبين للجميع عياناً في الحالة المصرية!

هذا التفريق ضروري لإدراك أن سقوط الحاكم لا يعني سقوط الحكم، وهو مشاهد عياناً في الحالة التونسية؛ حينما خرج حكم بن علي من الباب في الخفاء ثم عاد من الباب الخلفي بعد كل سفك الدماء!

 إن الداء في مصر هذا النظام العلماني الموالي لأمريكا.  فالناس مسلمون، يجب أن  يُحكموا بإسلامهم، “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون” ويجب أن يُوالى الله ورسوله والمؤمنون بدل أن يُوالى الكفار المستعمرون ” لا يتخذ المؤمنون الكافرون أولياء من دون المؤمنين” ولن يستقر حاكمٌ أو حكم على قدميه بين المسلمين بغير هذا، حتى وإن سكتوا قليلاً وصمتوا يسيراً.

اللحظة حقاً تاريخية، والدماء الزكية التي سفكت أطهر من أن يكون ثمنها تبديل أوجه النظام، أو تعديل مواد في دستور، أو غير ذلك من تفاهات.

اللحظة حقاً تاريخية، والله الكبير المتعال أحق أن نخشاه، وأمر الأمة وأمر مصر، قلب الأمة النابض، لا يصلح إلا بما صلح به أوله، حكمٌ بما أنزل الله، وجهاد في سبيل الله، والنظام لا يتغير بتغير رئيسه فقط، بل يتغير النظام من سمت رأسه إلى أخمص قدمه بتغيير الأفكار العلمانية الرأسمالية الديمقراطية الفاسدة، وإقامة نظام الإسلام على أساس عقيدة الإسلام في ظل دولة الإسلام، الخلافة الراشدة. فلم لا نعلي الصوت في هذا الاتجاه؟ أخجلا من إسلامنا؟ أم خشية من أعدائنا؟