مؤتمر وزارة الأوقاف “الوطن والمواطنة في ميزان الشريعة الإسلامية”

634

أقامت وزارة الأوقاف ورابطة علماء الشريعة بدول مجلس التعاون مؤتمر ” الوطن والمواطنة في ميزان الشريعة الإسلامية” في 23/24 ديسمبر الماضي. وبعيدا عن التحليل السياسي لسبب انعقاد المؤتمر وخاصة من جهة التوقيت، فإن موضوع المؤتمر لافت للنظر و “مستفز” من ناحية فكرية.

كان المقال مختمراً وجاهزاً للنشر وعزائي في تأخر تناول الموضوع الانشغال في الأحداث المحلية الساخنة ومحاولة ملاحقتها ببعض الإضاءات الفكرية هنا أو هناك.

أما فيما يتعلق بموضوع المؤتمر أقول إنه قد تبين لي بعد البحث والدراسة أن كلمة الوطن والمواطنة ليس لهما أي معنى اصطلاحي أو شرعي في تراثنا الفكري والشرعي وقد اقتصر معناها على المعنى اللغوي فقط.

فقد ورد في لسان العرب أن كلمة الوطن تعني المنزل تقيم به، وكل مقام قام به الإنسان لأمر فهو موطن له.  وورد في الصحاح أن الوطن هو محل الإنسان، وهكذا بقية القواميس الأخرى فإن ما ورد فيها يدور حول هذا المعنى.  أما كلمة المواطنة فهي لم ترد بأي معنى من المعاني، ولكن طالما أنها على وزن مفاعلة فإنها تفيد المشاركة، بمعنى إشتراك المواطنين في وطن واحد. 

أما في الاصطلاح الحديث فإن الوطن لم يرد له مصطلح ولم يتغير معناه وظل المكان الذي يقيم فيه الإنسان مع غيره؛ ولكن كلمة المواطنة أصبحت تعني الانتماء للوطن المعين والولاء له والاستعداد للدفاع والتضحية في سبيله والدفاع عنه، وظهرت كلمة أخرى لها علاقة بذلك وهي كلمة الوطنية والتي تعني الارتباط بين الناس على أساس الوطن الواحد.  ولمعرفة مدى صحة هذه المصطلحات وما تدل عليها لا بد من معرفة واقعها ومعرفة النصوص الشرعية التي تعارضها أو توافقها.

فمن حيث الواقع فإن حب الوطن مظهر من مظاهر غريزة حب البقاء عند الإنسان، ويستوي فيها مع الحيوان الذي فطر على حب بيته ومكان إقامته ودفاعه عنه، ولا يتحرك هذا المظهر الغريزي عند الإنسان والحيوان إلا وقتياً عندما يتعرض الوطن لعدو خارجي، فهو عاطفي ويزول بزوال العارض.  وهذا المظهر الغريزي شأنه شأن جميع المظاهر الغريزية الأخرى فإنه يحتاج إلى تنظيم وإلا شاعت الفوضى وكان مصدراً للنزاعات مع أبناء الأوطان الأخرى المجاورة له.

أما من الناحية الشرعية فالموضوع ذو شعب متعددة.  فمن جهة، فإن نظرة الإسلام لمكان إقامة الإنسان تأتي من خلال النظام الذي يطبق في مكان الإقامة ومن خلال المجتمع الذي يتواجد على هذا المكان، قال تعالى ” إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا“. وبذلك أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة حيث يمكنهم إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم.  ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك، ثم بعد ذلك هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الباقون إلى المدينة المنورة.  كما واعتبرت الدار دار إسلام إذا طبق فيها الإسلام ولو كان جل أهلها من غير المسلمين واعتبرت الدار دار كفر إذا طبقت فيها أحكام الكفر ولو كان جل أهلها مسلمين. 

كما إننا أصحاب رسالة عالمية حدودها حدود هذا الكوكب الذي نعيش عليه، قال تعالى ” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ، والرسالة العالمية لا تحدها أوطان ولا حدود جغرافية ولا تقتصر على شعب واحد أو قوم واحد.

إن الرابطة الصحيحة التي تصلح لأن تربط الإنسان بالإنسان هي الرابطة العقائدية التي ينبثق عنها نظام يعالج مشاكل الإنسان في حياته كلها وينظم علاقات الأفراد في المجتمع الواحد.  فقد هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في الوقت الذي كانت فيه غارقة في حروب دامية مستعرة ونزاعات قبلية مستمرة استمرت لسنوات طويلة، ولم تتوقف هذه الحروب إلا بعد دخول الإسلام إليها والتفاف الناس حول العقيدة الواحدة عقيدة التوحيد، قال تعالى “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ “.  فالاعتصام بحبل الله المتين هو الذي يجعل المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

وفي حقيقة الأمر فإن الواقع التاريخي يبين أن الدعوات الإقليمية من وطنية وقومية لم تظهر في العالم الإسلامي ولم يتحدث بها الناس إلا بعد الغزو الاستعماري لبلاد المسلمين، وذلك حين قام بتجزئة البلاد الإسلامية بعد احتلاله لها ليسهل عليه السيطرة عليها عملاً بمقولة ” فرق تسد”.  فالاستعمار كما هو معروف، صنع واقعاً سياسياً جديدا شيّد أركانه على أنظمة سياسية مصنوعة على عين بصيرة بالإضافة إلى إنشاء الدولة الوطنية القطرية وزرع فكرتها. وكانت ثمة محاولات لشرعنة الأنظمة تحت عناوين محددة، فإن اجتمعت معها هذه المحاولات الجديدة لشرعنة فكرة الدولة الوطنية المجتزأة عن أمتها، فمالذي تبقى غير أن نقول هنيئاً للمستعمر!!

كما أنه مشكلة الإنسان الكبرى ليست مع مكان إقامته، فكل إنسان له وطن يعيش فيه على هذه الأرض بعد أن أخرج الله آدم عليه السلام من الجنة وأنزله إلى الأرض، وإنما المشكلة الحقيقة التي تؤرق جميع البشر هي أين يذهب الإنسان بعد أن تنتهي حياته وكيف يتصرف في أموره الحياتية قبل موته لينال رضى ربه والفوز بالحياة الآخرة. زبدة القول أن الإسلام قد قرر أن الولاء والتضحية تكون في سبيل عقيدة الإسلام، عقيدة التوحيد، ولإعلاء كلمة الله على وجه الأرض، والإسلام يعلو ولا يُعلى عليه “فرانسوا بيكو” أو “مارك سايكس” !