وجعل أهلها شيعاً

جاء في تفسير الإمام ابن عاشور رحمه الله “التحرير والتنوير” لقوله تعالى ” إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا” ( …أنه جعل أهل بلاد القبط فرقاً ذات نزعات تتشيع كل فرقة إليه وتعادي الفرقة الأخرى ليتم لهم ضرب بعضهم ببعض، وقد أغرى بينهم العداوة ليأمن تألبهم عليه كما يقال ( فرق تحكم ) وهي سياسة لا تليق إلا بالمكر بالضد والعدو ولا تليق بسياسة ولي أمر الأمة الواحدة…أنه جعل أهل المملكة شيعاً وفرقهم أقساماً وجعل منهم شيعاً مقربين منه، ويفهم منه أنه جعل بعضهم بضد ذلك، وذلك فساد في الأمة؛ لأنه يثير بينهما التحاسد والتباغض، ويجعل بعضها يتربص الدوائر ببعض، فتكون الفرق المحظوظة عنده متطاولة على الفرق الأخرى، وتكدح الفرق الأخرى لتزحزح المحظوظين عن حظوتهم بإلقاء النميمة والوشايات الكاذبة فيحلوا محل الآخرين . وهكذا يذهب الزمان في مكائد بعضهم لبعض فتنة…وشأن الملك الصالح أن يجعل الرعية منه كلها بمنزلة واحدة بمنزلة الأبناء من الأب يحب لهم الخير ويقومهم بالعدل واللين، لا ميزة لفرقة على فرقة، ويكون اقتراب أفراد الأمة منه بمقدار المزايا النفسية والعقلية ) إ.هـ

يشير قوله تعالى ” إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا” إلى أن تفرق أهل بلد ما وتشيعهم إنما يكون بفعل سلطوي سياسي، ولا يكون التفرق صفة ذاتية في الجماعة الإنسانية المستقرة في المجتمع، بل إن هكذا صفة تجعل الجماعة تعيش وضعاً شاذاً لا يتفق وطبيعة المجتمع، والذي تشير مفردته “مجتمع” إلى الاجتماع وليس التفرق!

كما أنه من المعاني اللغوية لـ”جعل” الصيرورة، أي أن أهل البلد “صاروا” فرقا بفعل التأثير السياسي السلطوي، بعد أن لم يكونوا كذلك!

هذا عن نهج فرعون، فما هو نهج النبي عليه الصلاة والسلام في جزئية رعاية شؤون الناس؟

من المعروف أنه عليه السلام قد بدأ يقيم العلاقات بين الناس في المجتمع المدينة على أساس العقيدة الإسلامية، ودعاهم ليتآخوا في الله أخوين أخوين، أخوة يكون لها الأثر الملموس في معاملاتهم وأموالهم وسائر شؤونهم، فآخى بين المسلمين، فكان هو وعلي بن أبي طالب أخوين، وكان عمه حمزة ومولاه زيد أخوين، وكان أبو بكر وخارجة بن زيد أخوين، وآخى بين المهاجرين والأنصار. ولا أريد التفصيل في ذلك لاشتهاره.

على أي حال، إن التفرق في واقعنا اليوم يأخذ صوراً مختلفة، منها الطائفي والعنصري والعائلي.  بل إن من صور التفرق عندنا ما يصرّ على ثنائية خيالية ترتبط بالخيام والمضارب والمراعي والمنازل والمدينة والبادية، وأقصد ثنائية البدو والحضر !

وداخل هذه الثنائيات تتشقق تفرعات آخرى حسب تواريخ قدوم الآباء والأجداد للبلد! أو حسب درجة الجنسية، أو حسب مكان الهجرة، وغير ذلك من تقسيمات مضحكة مبكية!

من الواضح أن المجتمع يعاني من استقطابات حادة ومزمنة، وفيه القابلية للتفكك والتحلل بسهولة إلى عناصر أولية، إن صح التعبير، تبرز فيها شعارات وأفكار مستبطنة لم تنجح الدولة في إذابتها في بوتقة جامعة.  الأمر الذي يدفع لأن توضع الصيغة الحالية للربط بين أفراد المجتمع- توضع على بساط البحث؛ البحث عن أسباب ضعف الرابطة المجتمعية الوطنية، والبحث عن الصيغة الصحيحة للربط، بدلاً من إصرار الجميع على وحدة وطنية والتغني بها، بما لا يتجاوز الرقص والألحان!

إن الجماعة البشرية الطبيعية المستقرة يكون فيها النظام السياسي راعياً لشؤون الجماعة ( الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته)، وتكون أفكار الناس ومشاعرهم موحدة تجاه كيفية العيش وقضاء المصالح، فلا تحتاج السلطة، والحال هذه، لأن تنتهج نهج تشييع الناس وتفريقهم، وضرب هذه الفرقة بتلك، وإثارة الخلافات وحفر الخنادق بين الناس وجعلهم أقطاباً متنافرة، ما إن تقترب حتى تبتعد!

ولا تحتاج السلطة أيضاً لأن تمارس تكتيكات السياسة الخارجية في الداخل، بأن ترضي هذه القوى على حساب تلك، أو أن تحالف هذه الطائفة أو الفئة ردحاً من الزمن ثم تنقلب عليها، كلا لا تحتاج السلطة لكل هذا. ذلك أن الدولة باختصار هي كيان تنفيذي، يرعى شؤون الناس حسب ما يحملون من قناعات، فالإمام كما قال النبي عليه السلام ” جُنّة يقاتل من ورائه ويُتقى به”، يقاتل من ورائه الأعداء ويتقى به الأخطار والفتن، لا أن تكون الدولة هي مصدر الفتن والأخطار!