لماذا التأريخ بالهجرة النبوية؟

جاء في الأوائل للعسكري تحت باب أول من كتب التاريخ الهجري عمر في ربيع الأول سنة 16هـ : (وكان سبب ذلك فيما روى أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر أنه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب لا ندري على أيها يعمل. قد قرأنا صكاً منه محله شعبان، فما ندري أي الشعبانين الماضي أم الآتي، فعمل عمر رضي الله عنه على كتب التاريخ، وأراد أن يجعل أوله شهر رمضان، فرأى أن الأشهر الحرم تقع حينئذ في سنتين، فجعله من المحرم وهو آخرها فصيره أولاً لتجتمع في سنة واحدة. وكانت الكتب تؤرخ من موت كعب بن لؤي، فلما كان عام الفيل أرخت منه، وكانت المدة بينهما خمسمائة وعشرين سنة، وأرخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم عليه السلام إلى بنائه البيت إلى تفرق معد، ومن تفرق معد إلى موت كعب بن لؤي، ثم أرخوا بعام الفيل، ثم من الهجرة. وعادة الناس أن يؤرخوا بالشيء المشهور)

وذكر ابن الجوزي عن الشعبي أن أبا موسى كتب إلى عمر إنه يأتينا من قبلك كتب ليس لها تاريخ فأرخ، فاستشار عمر في ذلك فقال بعضهم أرخ لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم لوفاته فقال عمر بل نؤرخ لمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن مهاجرته فرقت بين الحق والباطل فأرخ لذلك. وقد ذكر ذلك العديد ممن كتب في التاريخ.

لعله من الجميل أن ترتبط الأشياء بمناسباتها، فأن تعرف أن اسمك مرتبط بمناسبة معينة أو بشخص معين أو بتاريخ معين فإن تلك المناسبة تظل في الأذهان كلما ذكر الاسم، وكذلك التاريخ، فالناس تؤرخ بالمناسبات لأهميتها، وبذا تظل المناسبات خالدة في نفوس الناس، إذ كلما ذكر التاريخ ذكرت المناسبة.

والهجرة النبوية من أعظم المناسبات التي خُلدت في أذهان الناس بالتأريخ الهجري، فكلما حل رأس السنة الهجرية كلما تجدد في الذاكرة مناسبة هذا الرأس ولماذا اختير من دونه من المناسبات الأخرى.

والسؤال الذي يُطرح في رأس كل سنة هجرية، لماذا اختار الصحابة الكرام رضي الله عنهم الهجرة لبداية التأريخ، في الوقت الذي مرت عليهم فيه مناسبات عظيمة أخرى ليس أقلها أهمية مولد الرسول الكريم عليه وآله أفضل الصلاة والسلام، أو بعثته، أو وفاته، أو وقعة بدر الكبرى التي كانت مفصلاً في الصراع بين الكفر والإيمان؟

والجواب واضح، فالمولد الشريف كان من أجل البعثة، والبعثة كانت من أجل هيمنة منهج الله تعالى على الحياة تأسيساً وتنظيماً ورعاية، والهجرة كانت البداية العملية لهذا المنهج كي يأخذ دوره في الحياة البشرية منقذاً الناس من واقع لينقلهم إلى واقع آخر اختاره لهم ربهم تعالى العليم بأحوالهم، القادر على تنظيم حياتهم بأحكامه الشرعية.

كان تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة مفصلاً في تاريخ البشر، وهو المفصل الأخير، فقد انقطعت الرسالات، وخُتمت بالإسلام، وعلى البشر أن يفهموا هذه القضية جيداً ويدركوا أنهم مسئولون عن استمرار هذه الحياة الإسلامية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فهل يعي المسلمون والبشر قاطبة أهمية هذه المناسبة؟ وهل هم قادرون على المحافظة على معانيها؟