هل يستأذن الإسلام من غيره لتطبيقه؟!

532

من طبيعة الإسلام كمبدأ أنه يحوي طريقة شرعية من جنسه لتطبيقه في واقع الحياة، ولم يدع الأمر جزافاً، يتخير المرء أو الجماعة أو الحزب طريقاً من الطرق حسب ما يراه بعقله أو يشتهيه بهواه فيسلكه ممنياً النفس بشرعية الغاية، أما الطريقة فكيفما اتفق!

هذا، وقد اختلفت الأفهام والمناهج ولربما تباينت وتناقضت في هذا الباب، ولست في هذا المقام المختصر في وارد استعراض تلك الأفهام وإقرار الصحيح منها، إنما هي زاوية للنظر لعلها تشحذ همة أو توقظ فكراً.

واحدٌ من تلك الأفهام والمناهج هو ذلك الذي ينطلق في عمله للإصلاح من معطيات الواقع وما يسمح له الواقع من هامش للحركة وما لا يسمح له، سواء أكان الواقع نظاماً سياسياً أو رأياً مجتمعياً عاماً أو بيئة إقليمية أو دولية، في الوقت الذي يكون الواقع مخالف تماماً للمبدأ.  

إن مثل هذا المنهج كمثل من يريد دخول منزل واستخدام عناصره المختلفة، ولهذا المنزل صاحب أو أصحاب. فيلزم هذا الداخل أن يستأذن من أصحاب المنزل للدخول، وبعد الدخول يلزمه أن يستأذن أيضاً في الحركة داخل المنزل، وإن كانت الرغبة في قضاء الحاجة، فللبيوت كما هو معلوم آداب ولأصحابها اشتراطات.

وهكذا الحركات والجماعات، إن هي أرادت أن تدخل الواقع وتتحرك فيه تغييراً أو إصلاحاً، دخول الضيف المستأذن. عليه في هذه الحال الحركة حسب حدود أرباب الواقع وأجندتهم، سواء أكانت الحركة سياسية أو اقتصادية أو خيرية أو عسكرية.

فمثلاً، من أجل أن تدخل الحركة العسكرية في جنوب لبنان المشهد السياسي والعسكري اللبناني من أوسع أبوابه، استأذنت من بعض الأنظمة الإقليمية بعض ” المفاتيح” المالية والعسكرية، فكان لها ما أرادت، ولكن وفق “أصول” الضيافة العربية وغيرها! حيث أن رب المنزل لديه عاداته وتقاليده، ولديه اشتراطاته والتزاماته، وهكذا كان، معركة هنا وخطاب وصراخ هناك، ولكن تحت سقف وجدران المنزل.  أما أثر هذا الارتباط العضوي واستحقاقاته فواضح لكل ذي عينين. فمثلاً، إثر حرب تموز الأخيرة في لبنان صدر قرار مجلس الأمن رقم 1701 ، الذي تضمن نشر قوات دولية في جنوب لبنان، كما تضمن القرار سحب جند حزب الله إلى شمال الليطاني، وتنفيذ القرار 1559 القاضي بنزع سلاح حزب الله. ماذا كان موقف حزب الله من القرار بعد أن وافقت عليه دول الرعاية بدون تحفظ؟! الجواب معروف، وأنّى له الرفض! وهكذا تحقق لـ”إسرائيل” الأمن في جبهتها الشمالية وصارت وجهة سلاح الحزب للداخل فقط!

وهكذا جميع حالات الاستئذان العسكري؛ عين على المال وعين على الدعم، أما المبدأ فليست ثمة عين ثالثة!

أما سياسياً، فالاستئذان لدخول اللعبة السياسية يقتضي مثلاً إعطاء قرابين الطاعة لمؤسس الدولة التركية العلمانية الحديثة، أو يقتضي العمل بوزارة يحكمها محمود عباس، ولا حرج حتى من العمل تحت إمرة “بول بريمر” مندوب الاحتلال الأميركي في العراق، وإن كانت أصول الضيافة تقتضي انعطافات حادة عن مواقف سابقة فليكن، وإلا فما هو قصد وكيل وزارة الخارجية في حكومة حماس أحمد يوسف في إشارته لـ ” خطأ العمليات الاستشهادية” ؟!

سئل مدير الاستخبارات الأميركية الأسبق ” جيمس وولسي” في مقابلة مع صحيفة الشرق الأوسط اللندنية: ماذا لو أوصلت الحرية والديمقراطية الإسلاميين إلى السلطة؟ فأجاب ” الأمر يتوقف على ماذا نعني بكلمة إسلاميين، إذا كان من يصل للسلطة مثل الإسلاميين في تركيا التي ستجرى فيها الانتخابات القادمة حسب الجدول المحدد، ويتجادل الناس فيها حول الأفكار حيث أن الحزب الحاكم حالياً قد يفوز وربما يفوز حزب آخر من الأحزاب المؤيدة لأفكار أتاتورك، فلا ضرر من وصول إسلاميين إلى السلطة ما داموا يقبلون بالتداول السلمي له”.

الأمثلة ها هنا تطول وحدث ولا حرج.

أما اقتصاديا، فالاستئذان يقتضي ضبط الحركة، حركة المرابحة أو غيرها! بما تقرره البنوك المركزية من سعر الخصم وقوانين آخرى.

أما خيرياً، فالحال واضح ومنسجم مع مقتضيات المرحلة، ولم تعد الصناديق مستورة وموزعة في كل مطعم وكشك، بل أضحت مكشوفة ومحدودة في الزمان والمكان!

إن التغيير المبدئي على أساس الإسلام مختلف عن هذا تماماً، والإسلام، وإن كان أهله ضعفاء، فإنه ليس من طريقته الاستئذان المذل أو دخول البيوت من ظهورها، بل ديدنه الصراحة والقوة والوضوح، وحسبي المثال التالي من سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، الذي يقصم ظهر مثل هذه الطرق.  

أتى النبي عليه الصلاة والسلام قبيلة عامر بن صعصعة، وذلك أثناء محاولاته المتعددة لأخذ النصرة، إلا أنهم اشترطوا عليه أن يكون لهم الحكم من بعده على وجه الجزاء لما سيبذلونه له من حماية ونصرة، بقولهم “أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فقال لهم: إن الأمر لله يضعه حيث يشاء، فقالوا له، أفنهدف نحورنا والعرب دونك ثم يكون الأمر لغيرنا، اذهب لا حاجة لنا بك”.

ها هنا، كان الشرط ليس تنازلاً عن الإسلام أو عن شطر منه، إنما هو مساومة على حكم جزئي في نظام الحكم. ولا بد من استحضار حال النبي الأكرم عليه السلام وحال أصحابه حينئذ؛ من مطاردات وتعذيب وقتل وتضييق.  فكان مفتاح دخول المنزل، كل المنزل، وترك كل تلك المعاناة خلف ظهره عليه السلام، ثمن ذلك أن يكون الأمر لهم من بعده، ولكنه الرفض القاطع والحاسم لكل جزئية تخالف المبدأ. رفضاً قاطعاً يقابله في واقعنا اليوم استئذانات وانبطاحات بالجملة!

إن الله عز وجل يقول ” بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون“، والباطل لا يزهقه الباطل، والعلمانية لا تدمغها العلمانية ناهيك أن تزهقها!!

الباطل لا يزهقه إلا الحق كاملا غير منقوص.