فلسطين ليست لفرد أو لجماعة بل هي ملك مليار مسلم

415

صرح  قبل  أيام  الناطق  الرسمي  باسم  الرئاسة  الفلسطينية  نبيل  أبو ردينة في رام الله  وهو  يرد  بالتلميح والتصريح على كل من يتدخل (حسب زعمه) في الشأن الفلسطيني بقوله: “نحن ندافع عن حقوقنا الوطنية ومصلحتنا القومية، والرئيس أبو مازن والقيادة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني” .

إن الحديث عن قضية فلسطين تتجاذبه أفكار وزوايا متعددة، ولعل فكرة “من يملك التفويض في قضية فلسطين” تعتبر من أهم أفكار القضية، ذلك أن المفوض هو من يملك تنفيذ قرار السلم والحرب، أو التنازل والصمود. فكان ضرورياً بذل الكثير من الجهود والمناورات والمؤامرات لإخراج وإنتاج مفوض وممثل مأمون ومقبول لقضية فلسطين.

في هذا السياق، أقول إن قضية فلسطين قد مرت من ناحية التفويض والتمثيل بمراحل متعددة، آخرها قرار مؤتمر القمة العربية التي عقدت في الرباط عام 1974م الذي اعتبر “منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني” . الأمر الذي أهّل المنظمة لأخذ مقعد “مراقب” في الأمم المتحدة والتحدث باسم الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية.

هذا القرار يعتبر آخر حلقة في سلسلة تصفية وتقزيم قضية فلسطين؛ في تحويلها من قضية إسلامية وأمة إسلامية إلى قضية عربية ثم إلى قضية فلسطينية تتعلق بـ”شعب” فلسطيني، تمثله منظمة يرأسها شخص توجه بالأمس إلى رئيس وزراء “إسرائيل” قائلاً “لا نقبل من أحد أن يقوم بأي أعمال من شأنها الإساءة لأمنكم” !!

هذا القرار أزاح المسؤولية عن فلسطين من على كاهل حكام المسلمين، وحصرها في أهل فلسطين فقط.

فمن هو صاحب الحق في فلسطين؟ وما هو الحق في مسألة التفويض والتمثيل في قضية فلسطين؟ هل هو قرار جامعة الدولة العربية، أم هو اختيار أغلبية أهل فلسطين، في انتخابات شارك فيها اكثر من 2000 مراقب دولي وعربي كما زعم أبو ردينة؟ أم هو التاريخ النضالي والقتالي؟ وما هي حدود وصلاحيات التفويض؟

إن الجواب على هذا السؤال يجب أن يكون منطلقاً من الإسلام قولا واحداً، ومن التمس جواباً من غير الإسلام فلا قيمة فعلية لرأيه، ونقاشه يكون في سياق آخر.

أما معاشر المسلمين، فهم يعتقدون أن الإسلام حق، وغيره ضلال، وأن الرد يجب أن يكون إلى الاسلام “وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم” .  والرد إلى الإسلام يبين لنا بجلاء أن الأرض إذا فتحها المسلمون، وحكمها الإسلام تصبح أرضاً إسلامية، وحكم الإسلام للأرض يترتب عليه أن تسري أحكام الإسلام على هذه الأرض المفتوحة صلحاً كالقدس أو عنوة كمكة المكرمة أو أسلم أهلها عليها كإندونيسيا، ويجري عليها ما يجري على أحكام دار الإسلام. بل إن الإسلام أوجب على المسلمين أن يدافعوا عن دار الإسلام وعن كل أرض دخلت تحت سلطان الإسلام وجرت عليها أحكام الإسلام فإذا « استولى الكفّار على بقعة من دار الإسلام صار الجهاد فرض عين على جميع أفراد النّاحية الّتي استولى عليها الكفّار، رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، أصحّاء ومرضى، فإذا لم يستطع أهل النّاحية دفع العدوّ عن دار الإسلام، صار الجهاد فرض عين على من يليهم من أهل النّواحي الأخرى من دار الإسلام، وهكذا حتّى يكون الجهاد فرض عين على جميع المسلمين، ولا يجوز تمكين غير المسلمين من دار الإسلام . ويأثم جميع المسلمين إذا تركوا غيرهم يستولي على شيء من دار الإسلام» (راجع الموسوعة الفقهية الصادرة عن وزارة الأوقاف في الكويت، الجزء 20)، ويأثم جميع المسلمين إذا تركوا غيرهم يستولي على شيء من دار الإسلام، وفلسطين بكاملها من البحر إلى النهر أرض إسلامية، يجب أن تطبق عليها أحكام الإسلام، لا القدس فقط ولا غزة ولا الضفة الغربية، بل تل أبيب ويافا وحيفا وكل مدن فلسطين التاريخية (1948م) كما يطلق عليها، ولا يجوز لهم أن يتنازلوا عنها مطلقاً.

والمسألة في إسلامية فلسطين تتأكد وتزداد وضوحاً بقوله تعالى “سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله” فوصف الله تعالى الأرض حول المسجد الأقصى بالمباركة.

واغتصاب الحق لا ينقل ملكيته، كما أن العرض المغتصب لا يصير حلالاً أبداً. والضعف والعجز عن استرداد المغصوب لا يسوغ التنازل عنه، بل هو يوجب التقوي وإعداد العدة لاسترجاعه.

إن هذه الأحكام الشرعية من الوضوح بمكان، وقد اعتبرها المسلمون على مر التاريخ من الحقائق والقناعات. فمثلاً، عندما أخذ الصليبيون القدس مائة عام لم يفكر المسلمون إطلاقاً في التنازل عنها أو التفاوض عليها، بل تركوها في أيدي أعدائهم عسى أن ييسر الله لهم يوماً لاسترجاعها، وأدركوا تمام الإدراك أنها ليست لهم ليفرطوا بها، وأن من حق المسلمين الذين يأتون من بعدهم أن يسترجعوها، حتى هيأ الله آل زنكي وصلاح الدين رحمهم الله تعالى فأرجعوها إلى حظيرة الإسلام.

ولا يغيب عن أذهاننا الموقف الشهير للخليفة العثماني السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله إزاء قضية فلسطين، الذي قال بكل ثقة: «انصحوا الدكتور هرتسل بألاّ يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية، لقد جاهد شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يوماً فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون عليّ من أن أرى فلسطين قد بترت من دولة الخلافة وهذا أمر لا يكون. إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة» .

خلاصة القول، إن من يجيئون ويذهبون ويجوبون عواصم العالم بزعم تمثيل الشعب الفلسطيني والتفاوض على فلسطين؛ بأن تكون الأرض لليهود والسلام لليهود والأمن لليهود!! أعمالهم كالمعدومة شرعاً، حتى وإن تحصّلوا على قبول جميع الحركات الفلسطينية، في الضفة وفي غزة كذلك. لأنهم لا يملكون التفويض الشرعي من المسلمين جميعاً ولأن موضوع تفاوضهم حرام شرعاً.