مليارات الاستثمارات الخارجية في مهب ريح الأزمة العالمية

أوردت العديد من الصحف المحلية في 27 يونيو 2010 جواب وزير المالية على سؤال النائب وليد الطبطبائي بشأن استثمارات الصندوق السيادي الكويتي ( الهيئة العامة للاستثمار)، وقد أسهب الجواب في بيان آليات توفير البيانات لعضو مجلس الأمة ولديوان المحاسبة، والتوزيع الجغرافي والنوعي للاستثمارات الخارجية وما إلى هنالك من دقائق فنية وإدارية. إلا أن اللافت في الجواب أنه قد ضرب صفحاً عن الإجابة عن جوانب جوهرية وردت في سؤال النائب.

إن الهروب للأمام بالتستر بجدار السرية، كما جاء في جواب الوزير، لا يشكل حلاً لمشكل، خاصة بعد أن تم الكشف عن أرقام لخسائر يشيب لها شعر الوليد!

فقد أظهرت تقارير لمجلس العلاقات الخارجية الاميركي، عن قيمة الخسائر خلال عام 2008  في دول الخليج العربي جراء الأزمة العالمية، أن الكويت تأتي في المرتبة الثانية من حيث الخسائر حسب التقرير الذي يستند الى المصارف المركزية.  وأظهرت بيانات المجلس الذي يقارن قيمة الأصول بقيمة الخسائر، أن خسائر الاستثمارات الكويتية بلغت 94 مليار دولار، أي بنسبة 36 في المئة، مقارنة بـ2007، رغم ضخ تدفقات مالية جديدة بلغت 57 مليارا، لتتراجع أصول هيئة الاستثمار إلى 228 مليار دولار في ديسمبر 2008، من 262 مليار دولار في أواخر 2007. ( الجريدة 11 مارس 2009 ).

وقد أكد تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (انكتاد) ان الصندوق السيادي الكويتي كان أكثر الصناديق خسارة بين الصناديق الخليجية، بتسجيله لخسائر بلغت نحو 41% في عام 2008، وبما يعادل 94 مليار دولار أميركي. (القبس 27 سبتمبر 2009 بتصرف يسير).

وفي تلك الفترة الحرجة ( فبراير 2009)، نشر تقرير الشال تعليقاً على عقد مجلس الأمة جلسة سرية لمناقشة الحالة المالية للدولة، جاء فيه ” ونشرت أكثر من صحيفة محلية أرقاماً، نسبتها إلى نواب في مجلس الأمة، أو إلى مصادرها، تلخص الوضع في أن جملة خسائر احتياطي الأجيال القادمة والاحتياطي العام هي 9 مليارات دينار كويتي، أي نحو 15 % من جملة احتياطيات الكويت المالية… نعتقد بخطأ هذه الأرقام، حتى لو نشرت رسمياً، إذ نرجح أن خسائر استثمارات الكويت، كما في 31/12/2008، أعلى من تلك المنشورة”  وبين التقرير أسباب الخطأ، ثم قال مشيراً إلى الصندوق السيادي الكويتي” …وأن هذا الصندوق خسر 94 مليار دولار أميركي، أي نحو 36 % من قيمته، وهي تقديرات للخسائر أقرب إلى الواقع من تلك المنشورة في الصحافة المحلية نقلاً عن الجلسة السرية.”

في الحقيقة، لا نزعم الإحاطة بحجم الخسارة، ولكن نزعم بوجودها، فلم التلطم ببرقع السرية؟! وكما يقال لا دخان بلا نار.

هذا وقد أكد الوزير الخسارة بقوله في جوابه على سؤال النائب” إن الأزمة المالية التي شهدتها الأسواق العالمية أثرت سلباً على معظم المؤسسات المالية وصناديق الثروة السيادية، إلا أنه ونتيجة للإجراءات التي قامت بها الهيئة منذ مدة طويلة… كان لها أكبر الأثر في تخفيف حدة الانخفاض في معدل أداء احتياطي الأجيال القادمة”.

فالخسارة قائمة، ولكن ما حجم مقدارها؟ هل هو قريب مما ذكرته مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (انكتاد) ( 94 مليار دولار في عام واحد)؟ وهل جانبت تقديرات الأنكتاد الصواب بنسبة 20، 30، 40 بالمائة أم ماذا؟

إن زيادة البحث في المعلومات والتصريحات المنشورة في الموضوع تلقي مزيداً من الضوء على الموضوع. فمن زاوية أسباب اتخاذ القرار الاستثماري، فالقلب لا يطمئن أبدأً إلى التنظيرات الاقتصادية المجردة. فمثلا، في مقابلة سابقة لقناة السي ان ان الأميركية، توجه مراسلها “أنطوني ماسون” بسؤال إلى رئيس الهيئة الكويتية العامة للاستثمار قائلاً: إنه بينما يتطلع إلى إفضل الاستثمارات للكويت هل يشعر بقلق متزايد من جهة نمط الإنفاق ببذخ الذي يسود الولايات المتحدة؟ قال السعد »إن هذه قضية أساسية في الاقتصاد الامريكي، مؤكداً أن هذه مشكلة حقيقية، وإذا استمر الأمر كذلك إلى الأبد، فإن الاقتصاد الأمريكي سيواجه مشكلة حقيقية ويجب أن يكون هناك شخص ما لكي يقوم بتمويل هذا العجز«. وذكر ماسون إن دولاً مثل الكويت هي التي تقوم بذلك في الوقت الحاضر.

فهل صرنا مسؤولين عن تصحيح الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الأميركي؟ وهل صار لزاماً علينا تمويل بذخ المستهلك الأميركي؟

وورد في تقرير لمركز الشال في 13 يوليو 2008 ما يلي “والواقع أن تدخل تلك الصناديق، في أواخر عام 2007 وبدايات عام 2008، والاستثمار في بعض المؤسسات المالية العريقة – مثل توظيف 7.5 مليار دولار أمريكي من قبل صندوق أبو ظبي لشراء حصة في ستي بانك وقيام هيئة الاستثمار في الكويت بشراء حصة في ميريل لينش بما قيمته 6.6 مليار دولار أمريكي – كان بمثابة إنقاذ ودعم لتلك المؤسسات واقتصاداتها أكثر منه قراراً استثمارياً بحتاً، ولكن تبدل الأوضاع إلى الأفضل في تلك المؤسسات قد يقلب مزاج الترحيب بتلك الاستثمارات إلى نقيضه.  ذلك ما حدث مع الكويت، في ربيع عام 1988، عندما أجبرت على بيع ما يزيد على 9.9% من أسهم شركة بريتيش بتروليوم ، بعد أن تعافى سوق لندن من عثرة أكتوبر 1987.”

لقد بات واضحاً لكل ذي عقل، أن الأزمات تلازم النظام الرأسمالي وتفرعاته ( أسواق مالية، بنوك، تأمين..الخ) وأن الخلل يضرب عميقاً في جذور النظام، فالنظام الرأسمالي والأزمات أخوان توأمان! وكما ورد في مجلة الأيكونومست ذائعة الصيت في 15 مايو 2008 ” إن الأزمات والجشع والشقاء جزء من النظام المالي الغربي ”

إن العالم الغربي يعيش في “فزع” و ” هلع” مالي من هول ما يرى، والاقتراحات والاجتماعات والتصريحات حول الأزمة المالية تعج بها الأوساط العالمية، وكأن الغرب في حالة استنفار، وثمة تخوفات من مصير مشابه لليونان يلحق بعملاق آسيا اليابان، فأين نحن من 260 مليار دولار، هي تقريبا أرصدتنا الخارجية( أكثر من ترليون دولار هي مجموع الاستثمارات الخليجية المعلنة)؟ علماً بأن الأزمة المالية تتعلق بالشركات المالية والبنوك وأسواق المال، وأن معظم استثماراتنا الخارجية مستثمرة في هذه الشركات المالية والبنوك وأسواق المال التي تتعرض للأزمة الآن.  فهل نبالغ حينما نقول أن مليارات الاستثمارات الخارجية في مهب ريح الأزمة المالية العالمية؟! هذا إن لم يكن معظمها قد تبخر حقاً!! لماذا الصمت المريب؟!

لقد اصبح واجباً فورياً على الدولة أن تغير من سياستها المالية واستراتيجيتها الاستثمارية، فقد كان مبرر الاستثمار فى أوربا وأميركا أنها اقتصاديات مستقرة، أما اليوم فقد زال هذا المبرر وأصبح الاقتصاد العالمي فى أزمة تأكل أموالنا وأموال أجيالنا القادمة.

إن الخروج من الأزمة المالية يتطلب الخروج من أسر تفكيرها وقواعدها، والتفكير بشكل جذري وجاد في الحل.  إن الواجب على الدولة اليوم أخذ أربع خطوات، أولاً: جلب أموالنا إلى داخل البلد، ثانياً: استثمارها فى الصناعة النفطية وتفرعاتها، ثالثاً: الفائض من الأموال يحول إلى ذهب ويخزن كاحتياطي فى خزينة الدولة، رابعاً: إنتاج النفط بقدر الحاجة و بما يكفي لسد ميزانية الدولة فقط، وبالتالي القضاء على الفائض المالي الذي يذهب إلى أوربا وأميركا ليتعرض للخسائر والنهب والسلب تحت مبرر الاستثمارات، فالنفط تحت أقدامنا أفضل من دولارات وأوراق مالية فى بنوك أميركا وأوربا، وتحويل الذهب الأسود إلى ذهب أصفر خير من تحويله إلى أوراق يتلاعب بها المضاربون كيفما شاؤوا.