تأميم الفتوى ومأسسة الرأي الشرعي!

364

طُرحت على الساحة مؤخراً فكرة قصر إصدار الفتوى أو الآراء الدينية على مؤسسة بعينها أو على مجموعة من العلماء، وذلك لمقاصد أو لأسباب معينة. ولعلّه يكون مناسباً تناول هذه القضية بعقلية ناقدة فاحصة ليتبين لنا جانب من جوانب الحياة الإسلامية السياسية. (ولربما ألحقت بهذا المقال، مقال ثان يتعلق كذلك بــ”تأميم” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعله في مؤسسات).

يمكن القول ابتداءً أنه لا يخفى على كل مسلم أهمية الفتوى في حياة المسلمين، وبالتالي أهمية وجود مفتين في الأمة، فالمفتي هو من يبين حكم الله تعالى في الواقعة، والمفتون كما قال ابن القيم: (هم الذين دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، والذين خصوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام) . فالفتوى إذن هي ربط المسلم بدينه وتعريفه بأحكام حياته كيف تكون وماذا يجب عليه تجاهها، وتظهر أهمية الفتوى كلما استجدت مشاكل بين المسلمين تحتاج إلى معرفة حكم الشرع فيها، كي تكون حياة المسلمين منضبطة بشرع الله تعالى، وكي لا يقعوا تحت طائل قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) .

ولا بد من التفريق بين أمرين اثنين يتعلقان بالفتوى: الأول هو معايير الإفتاء، والثاني هو قصر الفتوى على أشخاص معينين.

أما معايير الفتوى فإنها هي التي تحدد المفتي من غيره، وهي التي تحمل المسلم البسيط على أن يذهب إلى فلان ليستفتيه ويترك فلاناً، وهي التي يجب التركيز عليها وترسيخها في الأمة، وعندها لا حاجة لقصر الفتوى على أناس دون غيرهم، والمسلمون عندما ترسخت فيهم هذه المعايير فإنهم لم يجدوا حرجاً في الاستفتاء من كل العلماء الذين عاشوا في الحياة الإسلامية، مع أن منهم من كان على خلاف مع السلطة، ومنهم من كان مغضوباً عليه من السلطة، فالإمام أحمد مثلاً كان إمام الناس رغم مخالفته للسلطة ورغم ما فعلته السلطة به في فتنة خلق القرآن، ومع هذا لم تستطع السلطة أن تمنع الناس من اتباعه.

ومن أهم معايير الإفتاء بالإضافة لما هو معلوم منها كالإسلام والبلوغ والعقل والاجتهاد (على تفصيل بين الفقهاء) هي العدالة والتقوى، فالعدالة والتقوى هي المعايير التي قد لا يشترك فيها كل المفتين في زمننا هذا.

أما الأمر الثاني وهو قصر الفتوى على أشخاص معينين، كأن تجعل الفتوى في هيئة حكومية معينة، أو في مذهب معين، أو في شخص معين مهما كان علمه، فإنه حرج وإحراج لا فائدة منهما، لأن مثل هذه القرارات لن تمنع أي مجتهد من أن يستنبط الأحكام أو أن يفتي الناس فيما يفهمه من النصوص الشرعية، لأنه يدرك قول النبي عليه السلام “من كتم علماً ينتفع به ألجم بلجام من نار“، ولن تمنع هذه القرارات الناس من استفتاء العالم إذا توفرت فيه معايير المفتي، كما أن مثل هذه القرارات تحجر على الناس في دينهم فكأنك تقول لهم: إذا أردتم دينكم فخذوه من هذه الهيئة أو هذا الشخص فقط. في الوقت الذي يرى الناس فيه علماً من الأعلام يفوق كل علماء الهيئة في الإفتاء كما حصل مع الإمام أحمد وتقدم ذكره، والدين ليس فيه حرج حسب قوله تعالى “هو اجتباكم وما جعل لكم في الدين من حرج“.

وقد يقال أن مثل هذه القرارات تمنع الفتاوى الشاذة والمضحكة التي تخرج علينا بين الفينة والأخرى، وهذا غير صحيح لأن تاريخ الأمة الثقافي لم يخل من أمثال هذه الفتاوى، والقضاء عليها هو بإظهار الفتاوى الصحيحة والأحكام الشرعية المستنبطة من النصوص الشرعية بالشكل المنضبط، وبرسم الخط الصحيح بجانب الخط الأعوج، فالمناقشة والاستدلال أفضل طريقة لبيان الحق من الباطل وليس الكبت والمنع.

فالعبرة بمعايير الإفتاء، هي التي تحكم الفتوى وهي التي تبين للناس من أين يأخذوا دينهم، لا القرارات ولا الهيئات.