الضريبة على الدخل لا تجوز

641

ضمن إطار النظام الاقتصادي الرأسمالي، تُتخذ الضرائب والرسوم بمختلف أشكالها أدوات لتحصيل الأموال من رعايا الدولة والاستفادة منها لتخفيض عجوزات الميزانية أو لتحسين الخدمات العامة المقدمة من قبل الدولة أو لترشيد الإنفاق والاستهلاك بما يتلاءم ودخل الدولة، أو لغيرها من الأسباب. فكما جاء في تصريح لمصدر حكومي رفيع لصحيفة الرؤية بتاريخ 27 يوليو “أن قانون الضريبة من أدوات السياسة المالية إلى جانب الإنفاق الحكومي” وكما جاء في صحيفة الوطن بتاريخ 26 يوليو نسبةً إلى مستشار وكيل وزارة المالية في أن قانون ضريبة الدخل  “يساهم كأداة هامة للسياسة المالية في تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية ويعالج نسبياً الخلل في هيكل الميزانية”.

لا نبالغ إن قلنا أن مفهوم الضريبة يعتبر جزءاً من طريقة الرأسمالية في العيش ونمطها في الحياة في شقها الاقتصادي والمالي.  فهل ثمة شيء من هذا القبيل في شرعنا الحنيف وطريقتنا الإسلامية في الحياة؟ وتحديداً هل يجوز للدولة في الإسلام أن تفرض ضرائب على الناس لإدارة شؤونهم؟ وما هي السياسة التي يجب على الدولة الإسلامية إتباعها عند استيفائها للضريبة؟

إن الشرع قد حدد واردات بيت المال وجعلها لإدارة شؤون الرعية ولم يشرع ضرائب لذلك. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم حينما كان يدير شؤون الرعية بهذه الواردات ( كالفيء والجزية والخراج وخمس الركاز والزكاة) لم يرو عنه مطلقاً أنه فرض ضريبة على الناس، بل إنه عليه السلام حين علم أن من على الحدود يأخذون العشور (الضرائب الجمركية) على البضائع التي تدخل البلاد نهى عن ذلك وقال ” لا يدخل الجنة صاحب مكس“، وكما قال عليه السلام ” إن صاحب المكس في النار“، وصح عنه عليه السلام أنه قال ” لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه” وهو عام يشمل كل إنسان ومنها الدولة، وأخذ الضرائب أخذ لمال المسلم من غير طيب نفسه مما يدل على عدم جواز أخذها.

إلا أنه قد توجد شؤون تحتاج إلى الرعاية وتكون واردات الدولة غير كافية لتغطيتها، فهل يجوز في هذه الحالة فرض ضرائب أم لا؟

والجواب على ذلك، باختصار، من شقين:

  1. ما أوجبه الشرع على بيت المال فقط ولم يوجبه على المسلمين، لا يحل للدولة فرض ضريبة على المسلمين لأجل القيام به، فإن كان في بيت المال مال قامت به وإن لم يكن فيه مال أخرته حتى يوجد لديها مال لتقوم به.  وذلك مثل فتح طريق ثانية مع وجود غيرها أو إعادة تبليط بعض الأرصفة، ومثل إقامة مستشفى آخر مع وجود مستشفيات قائمة بالحاجة، أو ما شاكل ذلك مما لا يؤدي عدم وجوده إلى ضرر، ولكن يؤدي وجوده إلى تحسين وزيادة كمال.  فهذا كله لا يحل للدولة فرض ضرائب على المسلمين لأجل القيام به، لأن الشرع لم يوجب ذلك. والشرع وحده فقط مصدر التشريع ” فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم“.
  2. أما ما أوجبه الشرع على بيت المال وعلى المسلمين فإنه إذا لم يوجد في بيت المال مال، فإن للدولة في هذه الحالة أن تفرض ضرائب على المسلمين للقيام بالمصالح التي أوجبها الشرع عليهم، وأوجبها على بيت المال.  وذلك كالنفقات اللازمة للفقراء والمساكين وابن السبيل ولم يوجد في بيت المال مال ينفق عليهم، وذلك لأن إطعام الفقراء واجب على جميع المسلمين، يقول عليه السلام ” أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى” وكالنفقات الواجبة للجيش والحرب وكل ما يلزم من الإعدادات الحربية لقوله تعالى ” وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله“، وكذلك كل ما كان عدم القيام به يسبب ضرراً للمسلمين، كفتح طريق لا يوجد غيرها، وكفتح مستشفى تقتضي الضرورة فتحه وما شاكل ذلك، قال عليه السلام ” لا ضرر ولا ضرار“.  وكنفقات رواتب الجيش والقضاة والمعلمين، فإنها مما أوجبه الشرع على المسلمين، إذ أن التعليم فرض عليهم، وكذلك القضاء والجهاد، كما دلت على ذلك النصوص الصريحة.

ويجب ألا يغيب عن الأذهان في هذا السياق أن استيفاء الضرائب من الناس مشروط بما يفضل عن إشباع الحاجات الأساسية والكمالية لأصحاب المال “بالمعروف” حسب حياتهم التي يعيشون عليها.  وذلك لقوله عليه السلام ” أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى” والغنى ما يستغنى عنه الإنسان مما هو قدر كفايته لإشباع حاجاته، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول” فأخر من تجب عليه نفقته عن نفسه، ومثل ذلك الضريبة لأنها مثل النفقة، ومثل الصدقة. على أن الله تعالى يقول ” يسألونك ماذا ينفقون قل العفو” أي ما ليس في إنفاقه جهد، بمعنى الزائد، وهو يدل على أن ما يجب على المسلم من مال، إنما يؤخذ منه مما هو زائد عن كفايته حسب ما هو معروف، ومثل ذلك الضريبة، فلا تحصل من المسلم إلا إذا زادت عن الحاجات التي تلزم مثله عادة، أي ما زاد على مأكله وملبسه ومسكنه وخادمه وزواجه وسيارته، وما شاكل ذلك حسب أمثاله.

وهكذا يتبين لنا أن الضرائب الدائمة لا أصل لها في الإسلام وإنما تفرض ضرائب مؤقتة (حالة الطوارئ) وبشروط (لسد العجز في عدم كفاية المال للإنفاق على ما يكون واجباً على المسلمين ولا يحتمل التأجيل وأن تؤخذ من الأغنياء فقط وليس من كل شرائح المجتمع، وأن تكون بقدر العجز والحاجة في بيت المال، ولا تزيد عن ذلك مطلقاً).

إن استعراض هذا النزر اليسير من السياسة المالية للدولة في الإسلام يبين لنا ماهية الحياة الإسلامية التي يجب أن تكون، والتي تحوي من المفردات ما يعتبر شديد الغرابة على واقعنا اليوم، من مثل بيت المال والفيء والجزية والخراج والركاز والمكس والجهاد…الخ.  إن التصور الصحيح للحياة الإسلامية لا بد وأن يستحضر معه جميع العناصر والمفردات الشرعية، وأن يكون في سياقه، فلا يمكن بحال تصور تطبيق الضرائب المؤقتة في حال أن الدولة ليست دولة رعاية كدولة الخلافة الراشدة بل دولة جباية، وفي حال أن الحكومات صارت تنافس الناس في تجارتهم! مثلما هو الحال – استطراداً-  في الحديث عن أحكام الصلح في الإسلام و “ إن جنحوا للسلم فاجنح لها” في حين أن “اسرائيل” تغتصب البلاد وتقتل العباد!

أكررها مرة أخرى، كما قلتها سابقاً في مقال ” الخصخصة في ميزان الشرع”، إن الضريبة الدائمة على الدخل لا يمكن أن تكون حلاً للمشكلة الاقتصادية أو أساساً للإصلاح الاقتصادي المنشود، بل وحتى نظرة الإسلام للضريبة لن تصلح – وحدها – ما أفسدته الرأسمالية،  ولكن العلاج الناجع للواقع الاقتصادي يكمن في تغيير هذا الواقع المتردي وفقا لكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم،  وذلك بإنفاذ جميع أحكام الإسلام المتعلقة بالحكم والاقتصاد والاجتماع والعقوبات وغيرها من الأحكام.