تفاعلا مع الأستاذ أحمد الديين… مصيرنا مع الاتفاقية الأمنية الأميركية

559

” فألا يفترض في المقابل بالكويت، التي هي دولة محررة، أن تحدد طبيعة الاتفاقيات العسكرية القائمة منذ نحو عشرين عاما مع الدول الكبرى، وخصوصا مع الولايات المتحدة الأميركية، بحيث يتم عرض هذه الاتفاقيات على المؤسسة التشريعية لبيان مدى جدواها وبحث مقدار الحاجة إليها، وتوضيح ما إذا كانت متوافقة مع نظامنا الدستوري ولا تمس سيادتنا الوطنية كدولة مستقلة، ومعرفة حدود الالتزامات الضامنة لاستقلالنا في إطار هذه الاتفاقيات والالتزامات المفروضة علينا في المقابل فيها، وتجنّب إساءة استخدامها؟… أم أنّ هذه أمور لا تعنينا ولا يجوز أن ننشغل فيها؟!”

الفقرة أعلاه جزء من مقال للكاتب في صحيفة عالم اليوم الأستاذ أحمد الديين ( 3 أغسطس 2010)، وكم هو نادر هذا الكلام بين أوساط المفكرين والإعلاميين والسياسيين. نعم، فإنه قد أعياني البحث في موضوع الارتباط بالمشروع الأميركي وتحديداً مسألة اتفاقية الترتيبات الأمنية (الاتفاقية الأمنية) المبرمة بين الكويت والولايات المتحدة لعلي أجد قلماً تناولها من زاوية نقدية، ولكنني أخفقت أن أجد حرفاً واحداً !! باستثناء مقابلة يتيمة للدكتور خلدون النقيب في صحيفة الطليعة قال فيها ” الاقتراح الآخر يتعلق بمسألة حساسة يتحرج أغلب الكويتيين في التعرض لها، وهي أن نعيد نحن النظر في مسألة الوجود الأمريكي لدينا، وألا نجعل من الكويت قاعدة لإعادة استعمار العراق” (الطليعة 9 أغسطس 2006).

إن النظرة إلى هكذا قضية تحكمها اعتبارات مبدئية شرعية واعتبارات سياسية تنفيذية، وهي في البداية والنهاية قضية لها أثر مباشر في واقع البلد ومصير الناس، في الدنيا والآخرة. ويتملك المرء العجب كيف يُضرب صفحاً عن قضايا المصير؟!

إن الاتفاقية العسكرية في جوهرها عمل سياسي، حيث أنها كانت واستمرت بقرار سياسي. والأعمال السياسية ترتبط مباشرة بالظرف الدولي والإقليمي والمحلي، أي بالموقف الدولي وعلاقة الدولة الأولى بالدول المؤثرة بالموقف الدولي وقوة أو ضعف تأثير الدول المؤثرة بسياسات الدولة الأولى، وأثر ذلك على الوضع الإقليمي والمحلي. وكما هو ثابت تاريخياً، فإن الموقف الدولي لا يثبت على حال، ولو أنه بطيء التغير، وهكذا هي طبائع الأمور وسنّة التدافع بين الدول. ويجب أن يكون واضحاً أيضاً أن الأعمال السياسية تتعلق بالممكن، والسياسة فن الممكن، أي هل بالإمكان القيام بعمل سياسي محدد في ظرف دولي ووضع إقليمي محدد مع وجود الأدوات التي نملكها؟ ويجب أن يكون واضحاً أيضاً أن من أعظم الخسائر التي تمنى بها الأمم والشعوب تفويت الفرص عليها، بسبب عدم الفهم الصحيح للموقف والظرف الدوليين، وعدم تقدير الأدوات التي تملكها حق قدرها، فتفوت بذلك عليها الفرص التي قد لا تعود أبداً. فالسياسة كذلك اقتناص الفرص.

واستطراداً أقول، إن السياسة اليوم تحكمها المصالح، والمصالح تتغير، وكما يُزعم أن لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، ولعل قراءة بسيطة للتاريخ السياسي المعاصر تبين لنا كيف تعاملت الدول الكبرى مع أصدقائها حينما استنفذت منهم أغراضها، أو لم يعودوا يناسبوا المرحلة،  كما حصل مع  سوهارتو في اندونيسيا و ماركوس في الفلبين والشاه في إيران، وكما حصل مع مانويل نوريغا حاكم بنما السابق الذي يحمل اليوم رقم 41586 في أحد سجون فلوريدا! وغير ذلك الكثير. فلم الرهان ووضع البيض في سلال المتغير والمتأرجح؟!

إن نظرةً ثاقبةً إلى واقع الموقف الدولي توضح أن الدولة الأولى ـ أميركا ـ اليوم ليست هي أميركا أثناء وبعيد سقوط الاتحاد السوفيتي.  والوزن الاستراتيجي لكل من أوروبا وروسيا والصين اختلف كثيراً. فتفكك الاتحاد السوفيتي أدى إلى تقدم أوروبا في الموقف الدولي وساعد اتحادها الاقتصادي والسياسي على زيادة تأثيرها، كما أن النمو الاقتصادي للصين أدى إلى زيادة ثقلها دولياً، بالإضافة إلى التعافي الروسي وانعكاساته الإقليمية والدولية.  كل هذا التغيّر حدث على حساب تفرد الولايات المتحدة بالموقف الدولي. وخير دليل على ما نقول أن أميركا سنة 1990م لم تجد كثير عناء في استصدار ستة قرارات من مجلس الأمن في ليلة واحدة ضد العراق، واستطاعت أن تحشد العالم أجمع تحت قيادتها للحرب على العراق، أما في عام 2003 فلم تستطع أن تصدّر قراراً واحداً لاستخدام القوة ضد العراق ولم تستطع أن تجمع سوى خمس دول خارج مجلس الأمن. ناهيك عن الأثر العميق لجرح أميركا النازف في العراق وأفغانستان والأزمة المالية التاريخية- أثر كل ذلك على مكانة أميركا؛ قدرةً وموارد ومناورة. ودليل ذلك واضح في معظم الملفات السياسية الساخنة “المعلقة”.  فورطة أميركا في أفغانستان دفعتها مؤخراً لأن تقترح التفاوض مع طالبان، وفي العراق حدّث ولا حرج، وفي فلسطين يهوي السقف الأميركي للمطالبات من سافل إلى أسفل، وهلم جراً.

لذلك فإن الظرف الدولي والوضع الإقليمي مناسب جداً للقيام بإلغاء الاتفاقية الأمنية المبرمة مع أميركا، وإنهاء التواجد العسكري الأميركي والأجنبي، ووقف كل التسهيلات والمساعدات العسكرية التي تقدم لهذه القوات. نقول هذا ونعلم تماماً أن أميركا لا زالت الدولة الأولى، ولا زالت تملك الأدوات لتناور وتخادع، وتفتعل الأزمات الأمنية حتى تُشعر المنطقة بأنها بحاجة لحمايتها، فهي مثلاً تخادع منذ أكثر من سنتين المنطقة بأزمة السلاح النووي الإيراني دون أن تتخذ أي إجراء سوى التهديد والوعيد، لتعيش المنطقة أجواء الحاجة لحمايتها، في مشهد مكرر ومملول.  

ولا يقال أننا بلد لا نستطيع أن نعمل شيئاً حيال دولة كبرى كأميركا، لا يقال ذلك لأن المطلوب هو عمل سياسي وليس عملاً عسكرياً، وكما أسلفت فإن الأعمال السياسية تتطلب فهم الموقف والظرف الدوليين والوضع الإقليمي فهماً صحيحاً، واستغلال هذا الظرف والوضع خير استغلال. والاستغلال العملي يكون مثلاً بإعادة بحث الاتفاقية في مجلس الأمة بدلا من اعتبارها قدس الأقداس وسر الأسرار!، وإثارة الرأي العام وإشراكه في بحث القضية، وتنفيذ البند الذي ينص على أن لأي طرف حرية إلغاء الاتفاقية.

هذا من زاوية الاعتبار السياسي التنفيذي، والذي احتجت لإطالة النفس فيه قليلاً، أما الاعتبار المبدئي الشرعي الذي أشرت إليه في بداية المقال، فإنه أظهر من الشمس في رابعة النهار، وهو في الحقيقة يقع في دائرة القطعيات الشرعية التي تُصنف تحت عنوان الولاء والبراء أو الموالاة والمعاداة، والتي تضافرت النصوص على تبيانه كقوله تعالى ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ،  فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ” وقوله عز من قائل ” لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ” وغير ذلك الكثير.

ومرة أخرى أقول، إن المرء ليتملكه العجب كيف أن هكذا قضية يُضرب عنها صفحاً ويُعرض عنها ذكراً، ولا يُكتب فيها حرف واحد ومناقشتها بشكل جاد، ويكأنها لا تتعلق بدماء وحروب ومصائر وجنة ونار!