قانون الخصخصة في ميزان الشرع

طالعتنا الصحف المحلية بخبر تقديم الحكومة للجنة المالية البرلمانية مذكرة تتضمن المبادئ العامة لقانون الخصخصة.  ومما جاء في الأخبار إعلان الحكومة بأن يتضمن قانون الخصخصة تخصيص المشروعات العامة المتعلقة بتكرير ونقل وتخزين وتسويق النفط والغاز، ورأت عدم جواز تخصيص إنتاج النفط الخام والغاز الطبيعي إلا بقانون خاص ولزمن محدود.

ليست هذه هي المحاولة الأولى لتمرير قانون الخصخصة، ذلك أنه منذ ما يقارب العشرة أعوام، وتحديدا عام 2001، بدأت المحاولات الحثيثة لتهيئة الأرضية القانونية والسياسية والشعبية لسن قانون الخصخصة، ومرت تلك المحاولات بحالات مد وجزر، حسب ما رافقها من ظروف محلية ودولية، ويبدو أن ثمة توافقاً قد تحقق مؤخراً بين الجانب الحكومي والجانب البرلماني لإنجاز القانون كما أشار إلى ذلك رئيس اللجنة المالية البرلمانية ومقررها.

هذا، ويلاحظ المتابع لتاريخ القانون، وما تسرب من المداولات الحديثة بشأنه، استدعاء ذات الأرضيات الفكرية والاقتصادية المتعلقة بما يسمى بسياسات السوق كفتح الأسواق والمستثمر الأجنبي، بالإضافة إلى المحافظة بعض الأحكام والمواد الأساسية.

لا يحتاج المرء لكثير جهد كي يدرك أن هذه الأرضيات والأحكام والمواد قد انطلقت من زاوية رأسمالية بحتة منفصلة تماماً عن أي منطلق شرعي، وأنها تتضمن، من زاوية الشريعة، خلطاً واضحاً في تحديد ملكية الأعيان والمشاريع إن كانت من الملكيات العامة أم ملكية الدولة أم ملكية الأفراد، بالإضافة إلى تجويزها للانتقال من ملكية إلى أخرى،  خاصة فيما يتعلق في نقل ملكية الدولة إلى الملكية الفردية ( التخصيص). علماً بأن هنالك أحكاماً شرعية جاءت لتعالج مسألة الملكيات وأنواعها بشكل دقيق ومتقن، ولا عجب، فإنها من لدن عزيز حكيم ” ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين“.

هذه الأحكام،  نجملها في عجالة فنقول، أن الإسلام قد حدد الملكيات بثلاثة أنواع:

  1. الملكية الفردية وهي ” حكم شرعي مقدر بالعين أو المنفعة يقتضي تمكين من يضاف إليه من انتفاعه بالشيء وأخذ العوض عنه” وتشمل كل الأشياء المباحة التي يمكن حيازتها من مال لإشباع غرائز الإنسان وحاجاته العضوية.  كما نظر الإسلام للملكية الفردية بالكيف ولم يحددها بالكم،  وجاء بأحكام شرعية تحدد أسباب التملك كإحياء الموات، والصيد، والسمسرة والدلالة،  والمضاربة، والمساقاة، والعمل للآخرين بأجر، والإرث، وإعطاء الدولة من أموالها للرعية.
  2. الملكية العامة وهي ” إذن الشارع للجماعة للاشتراك في الانتفاع بالعين” ويقع فيها كل ما نص الإسلام على أنه ملك مشترك للجماعة، حرّم على الفرد أو الأفراد حيازته، وهي تشمل :
    1. ما هو من مرافق الجماعة بحيث إذا لم تتوفر للبلد أو الجماعة تفرقوا في طلبها لقوله عليه السلام ” ثلاث لا يمنعن،  الماء والكلأ والنار” وذلك كآبار المياه الكبيرة والحقول الزراعية والمراعي والكهرباء …
    2. المعادن العدّ وهي المعادن الكثيرة غير محدودة المقدار كالملح والذهب والفضة والحديد والنفط والغاز الطبيعي.  والدليل على ذلك هو ما روي عن أبيض بن حمّال المازني “أنه وفد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستقطعه الملح فقطع له،  فلما ولّى قال رجل من المجلس أتدري ما قطعت له؟ إنما قطعت له الماء العدّ.  قال: فانتزعه منه“.  وبما أن المعادن التي لا تنقطع هي ملكية عامة لجميع أفراد الرعية، لذلك لا يجوز للدولة أن تملّكها لأفراد، أو شركات ولا أن تسمح لأفراد أو شركات باستخراجها لحسابهم – كما حصل في تجربة خصخصة مصنع الملح والكلورين التابع لشركة الكيماويات البترولية – بل يجب على الدولة في الإسلام أن تقوم بنفسها باستخراج هذه المعادن نيابة عن المسلمين، ورعاية لشؤونهم ويكون جميع ما تستخرجه منها مملوكا ملكية عامة لجميع أفراد الرعية
    3. الأشياء التي من طبيعتها تمنع اختصاص الفرد بملكيتها كالطرق والبحار والأنهار والمضائق والقنوات العامة كقناة السويس، والساحات العامة والمساجد.
  • ملكية الدولة وهي ” كل ملك موقوف مصرفه على رأي رئيس الدولة (الخليفة) واجتهاده”  وملكية الدولة تشمل أموال الدولة بما فيها الأرض الخراجية وتلك التي لم يحدد الشارع الجهة التي تصرف فيها كالفيء والجزية والخراج والأنفال والغنائم وواردات أملاكها والأبنية وموات الأرض غير المملوكة للأفراد وغيرها.

أما في واقعنا اليوم كان من الطبيعي – لعدم وجود النظام الاقتصادي الإسلامي في الحياة – حصول التداخل بين الملكيات، فنجد أن ملكية الدولة قد تداخلت في الملكية العامة من خلال تملك الدولة للنفط والغاز الطبيعي، وتداخل الملية الفردية بالملكية العامة من خلال شركة المرافق العمومية، وغير ذلك.

إن نقل الملكيات العامة للأفراد أو للدولة، سواء بخصخصتها أو بتأميمها هو أمر مخالف للإسلام، ذلك أن الملكية حكم شرعي وهي ” إذن الشارع بالانتفاع بالعين” وحيث أن مالك الملك هو الله تعالى وحده لقوله سبحانه ” وءاتوهم من مال الله الذي آتاكم“،  فله سبحانه وحده إعطاء الإذن بالانتفاع بالمال.  فمثلا، تملك فرد معين لأرض موات جاء بإذن من الشارع،  وذلك قوله عليه السلام ” من أحيا أرضاً ميتة فهي له“،  وملكية الجماعة للكهرباء مثلا جاء بإذن من الشارع،  وذلك قوله عليه السلام ” الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار“،  وملكية الدولة لمال من لا وارث له جاء بإذن من الشارع كذلك لقوله عليه السلام ” … وأنا مولى من لا ولي له، أرث ماله، وأفكّ عانيه“.  وهكذا كانت الملكية، سواء كانت ملكية فردية أم ملكية عامة أم ملكية دولة، أحكاماً شرعية لا تتبدل ولا تتغير.  قال عليه السلام ” إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحدّ حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها“.

وتأسيساً على ما سبق، نقول أنه لا يجوز تبني قانون الخصخصة هذا، لأنه تشريع غير منبثق عن الإسلام، بل هو تشريع يخالف الإسلام بتبديله أوامر الشرع وأحكامه.  يقول الحق سبحانه ” وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله” ويقول عز من قائل ” وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم“.

خلاصة القول،  إن الخصخصة – بما فيها هذا القانون – لا يمكن أن تكون حلاً للمشكلة الاقتصادية أو أساساً للإصلاح الاقتصادي المنشود،  بل وحتى نظرة الإسلام للملكيات لن تصلح – وحدها – ما أفسدته الرأسمالية، ولكن العلاج الناجع للواقع الاقتصادي يكمن في تغيير هذا الواقع المتردي وفقا لكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وذلك بإنفاذ جميع أحكام الإسلام المتعلقة بالحكم والاقتصاد والاجتماع والعقوبات وغيرها من الأحكام، إنفاذاً يجعل من العقيدة الإسلامية أساساً للحياة والدولة والمجتمع، تنبثق عنها أحكام الإسلام بوصفها أحكاماً شرعية، مما يحقق الانسجام بين الناس وما يحملونه من قناعات، والأنظمة المطبقة عليهم.