كيف تخرج تركيا من شَرَك الدولار؟

341

الخبر:

أزمة الليرة التركية.

15 أغسطس 2018

التعليق:

الدوي الهائل الذي أحدثه الانهيار الحاد في الليرة التركية وما صاحبه من تراشق تصريحات واتهامات بين تركيا وأميركا، وتوجيه أصابع الاتهام لهذه الأخيرة بسبب إجراءاتها الديبلوماسية المتعلقة بقضية القس الأميركي “أندرو برانسون”، وسياستها التجارية- هذا الدوي قمينٌ لأن يفتح آذاناً وأعيناً وعقولاً على قضايا أكثر عمقاً وأهمية وجديةً من تفصيلات أسعار الفائدة ونسب التضخم أو تفضيل منتج سامسونج للهاتف النقال على الآي فون!

إحدى هذه القضايا هي الدولار والعملة النقدية بشكل عام، والتي سأتناول أبعادها التاريخية والاقتصادية بشكل موجز.

تاريخياً،  كان العالم كله يسيرعلى قاعدة نظام الذهب حتى الحرب العالمية الأولى، وكانت النقود المتداولة عبارة عن قطع ذهبية وأوراق نقدية تقبل التحويل إلى قيمتها من الذهب، وكان معه نظام الفضة أيضاً، وقد كان لتطبيق هذا النظام أطيب الأثر في العلاقات الاقتصادية، ولكن حين أُعلِنت الحرب العالمية الأولى سنة 1914 م عمدت الدول المتحاربة إلى اتخاذ إجراءات جعلت نظام الذهب يضطرب، حتى جاء عام 1971م حيث أعلن الرئيس الأميركي “نيكسون” وقف العمل بنظام الذهب وفك الارتباط بين الذهب والدولار،  فصار الذهب من ذلك الوقت لا علاقة له بالنقد وإنما هو مجرد سلعة من السلع. وقد أرادت أمريكا من وراء ذلك جعل الدولار الأساس النقدي في العالم حتى تتحكم في السوق النقدية العالمية وتهيمن عليها، فاختل النظام النقدي وتقلبت أسعار الصرف، وبدأت المشاكل العميقة تظهر في نظام النقد العالمي. وفي هذا السياق اشتهر قول “جون كونالي”، وزير الخزانة في عهد الرئيس نيكسون، حينما خاطب الأوروبيين بعبارته الشهيرة «الدولار عملتنا، لكنه مشكلتكم».

إن الفشل الذي أفرزه النظام الرأسمالي في النقود هو أن الأنظمة كلما احتاجت إلى المال ولم تجده في الإنتاج والقروض، لجأت إلى طبع الورق وإدخاله في دائرة الاقتصاد، فتتآكل بذلك أموال كل الشعب، بل وأموال كل الشعوب إذا كانت عملة الدولة الطابعة عملة عالمية كالدولار مثلا. ذلك أن الأصل في الكتلة النقدية أن تغطى بالإنتاج الحقيقي لدى أي دولة، وعندما يتم طبع نقود جديدة بلا غطاء، يجعلها تدخل دورة الاقتصاد دونما أي مقابل، مما يؤدي إلى انخفاض القيمة الشرائية للعملة، فألف دولار مثلاً في جيبي اليوم، تصير بعد سنة – هي ذاتها – تسعمائة دولار!

هذا فيما يتعلق بالفشل، أما النجاح والفلاح فلا يمكن أن يوجد إلا ضمن الإسلام.

إن الناظر في النصوص الشرعية يجد أن النقد في الإسلام تعلقت به ورُبطت به أحكام شرعية متعددة. فتحريم كنزه، ووجوب الزكاة فيه، وجعْل أحكام الصرف له، وإقرار الرسول عليه السلام للتعامل به، وربط الدية والقطع في السرقة به، كل ذلك يشكل دليلاً واضحاً على أن النقد في الإسلام يجب أن يكون من الذهب والفضة، أو أساسه الذهب والفضة.

أما فوائد نظام الذهب، والفضة، فعديدة، منها أن هذا النظام لا يعرض العالم فجائياً لزيادة المتداول منه، كما يحصل في العملة الورقية، وبذلك يأخذ النقد صفة الثبات والاستقرار، وتزداد الثقة به. ومن فوائده أنه لا يمكن للدولة التوسع في إصدار أوراق النقد، ما دام ورق النقد قابلاً للتحويل إلى ذهب وفضة بسعر محدد، فيقضى بذلك على التضخم، ومن فوائده أيضا استقرار أسعار الصرف بين عملات الدول.

يزعم منتقدو نظام الذهب عدم كفاية الذهب الموجود في العالم للعودة إلى قاعدة الذهب كما كان في السابق.  وهذا الزعم ينهدم حينما ندرك أن الذي يهمّ الناس ليس كثرة النقود في الحقيقة، بل قدرتها الشرائية.

على أي حال، إن التحرر من الدولار واعتماد النظام النقدي الشرعي يلزمه نوعية مختلفة جداً من الحكام ومستوى مختلف من النظر. يلزمه باختصار حاكم يتقي الله، ويحكم بما أنزل الله في جميع شؤون الحياة.