بدون جنسية أم بدون شرع؟!

756

الملاحظ أن التعاطي السياسي مع مشكلة البدون في الكويت ينطلق من منطلقات عدة، منها المصلحي ومنها الفئوي والعنصري وغيرها. والملاحظ أيضاً أن العامل المشترك بين جميع المعالجات المطروحة هو في عدم انبثاقها من وجهة نظر الإسلام وفي عدم استنادها للأحكام الشرعية المتعلقة بتحديد الرعوية وأساس الحقوق والواجبات لرعايا الدولة.

لذلك أود هنا تسليط بعض الضوء على هذا الجانب المهم في الفكر السياسي الاسلامي انطلاقاً من وجهة نظر إسلامية صرفة غير متأثرة بفكر دخيل أو بواقع فاسد.

إن من يتخذ من دار الإسلام مقاماً له فإنه يكون حاصلاً على التابعية الإسلامية سواء أكان مسلماً أم غير مسلم.  ودار الإسلام –شرعاً- هي البلاد التي تكون محكومة بسلطان الإسلام مطبقة عليهم أحكامه، ويكون أمانها الداخلي والخارجي بأمان الإسلام.

وجميع الذين يحملون التابعية الاسلامية يتمتعون بالحقوق والواجبات الشرعية،  ولا يجوز للدولة أن يكون لديها أي تمييز بين أفراد الرعية في ناحية الحكم أو القضاء أو رعاية الشؤون أو ما شاكل ذلك، بغض النظر عن العنصر أو الدين أو اللون أو غير ذلك؛ وذلك لعموم أدلة الحكم والقضاء ورعاية الشؤون.  فالله تعالى يقول ” وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل” فهو عام لكل الناس مسلمين أم غير مسلمين، والرسول عليه السلام يقول”الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته” وكلمة “رعيته” عامة تشمل جميع الرعية مسلمين أم غير مسلمين.  وهكذا جميع الأدلة العامة مما يتعلق بالرعوية تدل على أنه لا يجوز أن يحصل أي تمييز بين المسلم وغير المسلم، ولا بين العربي وغير العربي،  ولا بين الأبيض والأسود، بل جميع الناس الذين يحملون التابعية الاسلامية سواء من غير أي تمييز بينهم أمام الحاكم من حيث استحقاق رعاية شؤونه وحفظ دمه وعرضه وماله، وأمام القاضي من حيث التسوية والعدل.

ولا يقال أن هذا الكلام غير واقعي، لسببين:

أولاهما، أن مفهومي “دار الإسلام” و “الرعوية الاسلامية” ظلا مطبقين على أرض الواقع تقريباً 12 قرناً؛ وذلك منذ أن أقام الرسول صلى الله عليه وسلم الدولة الاسلامية في المدينة المنورة وحتى هدم آخر خلافة إسلامية أوائل القرن الماضي، مع وجود بعض الإساءات في التطبيق في فترات الانحدار والضعف الفكري.

السبب الثاني، أن أحكام الإسلام جاءت لتعالج الواقع وليس مسايرته أو جعله مصدراً للأحكام، والذي يحدد الموقف السياسي والعمل السياسي هو الشرع وليس العقل، ولا يتحدد موقف المسلم بناءً على المحافظة على نسيج وطني المزعوم!

ومن جهة أخرى، فإن الله قد حرم الظلمَ على نفسه، وجعله حراماً بين الناس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  فيما يرويه عن ربه سبحانه وتعالى: « إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا »؛ ومن الظلم البيّن أن تُحْرَم فئة من المسلمين تستوطن بلداً من بلاد المسلمين من الحقوق الشرعية تحت ذرائع واهية لا تمت إلى الإسلام بصلة. فكل من استوطن في الدولة استحق التابعية مسلماً كان أم غير مسلم.

في النهاية أقول إن مفاهيم “دار الإسلام” و”الرعوية الاسلامية” مفاهيم أساسية في نظام الحكم الاسلامي، لا بد من بلورتها في الأذهان، ولا بد من التمسك بها والدعوة لها، والعمل على جعل السيادة المطلقة لمبدأ الإسلام، لكي يكون الدين كله لله وتصبح بلاد المسلمين داراً إسلامية واحدة تأتمر بأمر دولة واحدة؛ خلافة على منهاج النبوة، ترفع من بلاد الإسلام الحواجز الجغرافية التي زرعها الكافر المستعمر والحواجز النفسية المصطنعة التي ترعاها وتنميها الأنظمة.