وثيقة الإصلاح المالي والاقتصادي…الدين لله والمال لنا!

يثار هذه الأيام موضوع ما تسمى وثيقة الإصلاح المالي والاقتصادي التي تقدمت بها الحكومة في الكويت والتي بحثها مجلس الأمة مؤخراً وقرر إعادتها إلى لجنة الشؤون المالية والاقتصادية لمزيد من الدراسة.

وقد احتوت الوثيقة الحكومية أجزاء رئيسية تتعلق بالخصخصة والضريبة …

وغني عن القول أن إن الزاوية التي تنطلق منها الحكومة و”مجلسها” التشريعي فيما يتعلق بأمور المال والاقتصاد هي زاوية رأسمالية بحتة منفصلة تماماً عن أي منطلق شرعي.

فمثلاً جاء في الوثيقة تحت عنوان “تخصيص المشروعات العامة: تشمل المشاريع المرشحة للتخصيص: المطارات، مؤسسة الموانئ، محطات توليد وتوزيع الطاقة، بعض مرافق وأنشطة مؤسسة البترول الكويتية، البريد، الاتصالات السلكية واللاسلكية، مراكز الصرف الصحي، إدارة المدارس والمستشفيات الحكومية”.

كما جاء أيضا ” استحداث ضريبة على أرباح الأعمال والشركات بمعدل ثابت عند 10%”.

وقبل الدخول في بعض التفاصيل أقول إن الغائب الأكبر في وثيقة الاصلاح والجدل الدائر حولها هو الحكم الشرعي!

وكأن عنوان مبدئنا في الحياة أضحى ” الدين لله والمال لنا”!

حاشا وكلا..حاشا وكلا.

أما بالنسبة للخصخصة قد جاء الاسلام بأحكام شرعية تعالج مسألة الملكيات وأنواعها بشكل دقيق ومتقن.

فقد حدد الإسلام الملكيات بثلاثة أنواع؛ ملكية فردية وملكية عامة وملكية دولة (للتفصيل في تحديد هذه الملكيات وأحكامها يُنظر كتاب “النظام الاقتصادي في الإسلام” وهو من منشورات حزب التحرير)

http://www.hizb-ut-tahrir.info/ar/index.php/resources/hizb-resources/48.html

ونقل الملكيات العامة للأفراد أو للدولة، سواء بخصخصتها أو بتأميمها هو أمر مخالف للإسلام.  ذلك أن الملكية حكم شرعي وهي ” إذن الشارع بالانتفاع بالعين” وحيث أن مالك الملك هو الله تعالى وحده لقوله سبحانه ﴿ وءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي ءَاتَاكُمْ ﴾، فله سبحانه وحده إعطاء الإذن بالانتفاع بالمال.  فمثلاً، تملّك فرد معين لأرض موات جاء بإذن من الشارع، وذلك لقوله عليه السلام « من أحيا أرضاً ميتة فهي له »، وملكية الجماعة للكهرباء جاء بإذن من الشارع، وذلك لقوله عليه السلام « المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والكلأ والنار »، وملكية الدولة لمال من لا وارث له جاء بإذن من الشارع كذلك لقوله عليه السلام «… وأنا مولى من لا ولي له، أرث ماله، وأفكّ عانيه».  وهكذا كانت الملكية، سواء أكانت ملكية فردية أم ملكية عامة أم ملكية دولة، أحكاماً شرعية لا تتبدل ولا تتغير.  قال عليه السلام « إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها ».

أما بالنسبة للضريبة فإنها تعتبر جزءاً مهماً من طريقة الرأسمالية في العيش في شقيها الاقتصادي والمالي.  فهل ثمة شيء من هذا القبيل في شرعنا الحنيف؟ والسؤال تحديداً هل يجوز للدولة في الإسلام فرض ضرائب على الناس لإدارة شؤونهم؟ وما هي السياسة التي يجب على الدولة الإسلامية إتباعها عند استيفائها للضريبة؟

إن الشرع قد حدد واردات بيت المال وجعلها لإدارة شؤون الرعية ولم يشرع ضرائب لذلك. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم حينما كان يدير شؤون الرعية بهذه الواردات ( كالفيء والجزية والخراج وخمس الركاز والزكاة) لم يرو عنه مطلقاً أنه فرض ضريبة على الناس، بل إنه عليه السلام حين علم أن من على الحدود يأخذون العشور (الضرائب الجمركية) على البضائع التي تدخل البلاد نهى عن ذلك وقال ” لا يدخل الجنة صاحب مكس“.

إلا أنه قد توجد شؤون تحتاج إلى الرعاية وتكون واردات الدولة غير كافية لتغطيتها، فهل يجوز في هذه الحالة فرض ضرائب أم لا؟

ولمعرفة الجواب على ذلك، وغير ذلك من تفصيلات، نحيل القارئ أيضاً إلى كتاب الأموال في دولة الخلافة من إصدارات حزب التحرير.

http://www.hizb-ut-tahrir.info/ar/index.php/resources/hizb-resources/64.html

وفي الإحالة يتبين لنا أن الضرائب الدائمة لا أصل لها في الإسلام وإنما تفرض ضرائب مؤقتة (حالة الطوارئ) وبشروط (لسد العجز في عدم كفاية المال للإنفاق على ما يكون واجباً على المسلمين ولا يحتمل التأجيل، وأن تؤخذ من الأغنياء فقط وليس من كل شرائح المجتمع،  وأن تكون بقدر العجز والحاجة في بيت المال، ولا تزيد عن ذلك مطلقاً).

إن استعراض السياسة المالية للدولة في الإسلام يبين لنا ماهية الحياة الإسلامية التي يجب أن تكون، والتي تحوي من المفردات ما تعتبر شديدة الغرابة على واقعنا اليوم، من مثل بيت المال والفيء والجزية والخراج والركاز والمكس والجهاد…الخ.  كما أن التصور الصحيح للحياة الإسلامية لا بد وأن يستحضر معه جميع المكونات الشرعية، وأن يكون في سياقه، فلا يمكن بحال تصور تطبيق الضرائب المؤقتة في حال أن الدولة ليست دولة رعاية كدولة الخلافة الراشدة بل دولة جباية، وفي حال أن الحكومات صارت تنافس الناس في تجارتهم! كما ونؤكد أن الخصخصة والضريبة الدائمة على الدخل وأرباح الشركات لا يمكن أن تكون عنصراً في الإصلاح الاقتصادي المنشود، بل العلاج الناجع لمشاكل الاقتصاد الهيكلية يكمن في تغيير هذا الواقع المتردي وفقا لكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك بإنفاذ جميع أحكام الإسلام المتعلقة بالحكم والاقتصاد والاجتماع والعقوبات وغيرها من الأحكام في ظل دولة الإسلام؛ خلافة على منهاج النبوة.