مصنع أحلى خمرة لأعظم غصّة!

ثمة أقوام يحبون الإسلام ويحبون العاملين لنصرة الإسلام ويبغضون العلمانيين وغيرهم من أعداء الدين، ولكنهم في نفس الوقت لا يملكون تصوراً واضحاً ودقيقاً لأحكام الإسلام وأنظمته في الحياة، كما أنهم ربما ضعفوا نفسياً في مواجهة الواقع بكل ضغوطاته.

يبرز عند هؤلاء الأقوام خطاب سياسي شرعي تبريري، يدور حول مفرات المقاصد، والمصالح والمفاسد، والضرورات، والتدرج، وفقه الأولويات، وفقه الموازنات، وفقه الاستضعاف، وما شابه ذلك.

فتجد الساسة يتنازلون ويرضخون أمام الواقع الفاسد بل وينغمسون في الحرام حتى اخمص أقدامهم، ثم يأتي الخطاب التبريري فيبحث عن حكم هنا وعن قول فقيه هناك ليبرر لذلك السياسي!

ذلك السياسي الذي لا يظهر عليه أي علامة من علامات الاضطرار والإكراه مما يدفعه للاختيار بين أخف الضررين وأقل المفسدتين. بل تراه تنفرج أساريره عند لقاء الحاكم الظالم، ويحتفل بفوزه في انتخابات محرمة، ويدعو للتمسك بدستور وضعي ويعتبره مكسباً وطنياً، ويتمسك بالديمقراطية ويعتبرها منهجاً استراتيجياً لا حياد عنه…من كانت هذه حاله فاعلموا يا عقلاء أنه إنما يستعمل تلك القواعد للتبرير فقط.

هذا، ويتجلى منهج التبرير في أوضح صوره في الحالة التركية، وأقصد تجربة أردوغان وحزبه في الحكم والعمل السياسي.

فنحن أمام سياسي يعلن على رؤوس الأشهاد احترامه لكمال أتاتورك ومنهجه، ويعلن على رؤوس تبنيه للعلمانية، وحمله للمشروع العلماني في المنطقة (مثال مشهور على ذلك دعوته لجماعة الإخوان في مصر لتنبي العلمانية في الدستور الجديد)، سياسي يعلن على رؤوس الأشهاد رغبته في التطبيع مع كيان يهود، وأن تركيا بحاجة لإسرائيل كما أن اسرائيل بحاجة لتركيا…أمام هذه الطوام، هل تنفع قوعد الضرورة وأحكام الإكراه وموازنات المفسدتين والمصلحتين..؟!

كلا، لا تنفع.

فالمكره على الكفر لا يدعو له ويزينه بأعين الآخرين، والمضطر لشرب الخمرة لا يفتح مصنعاً ويسجله بعنوان ” مصنح أحلى خمرة لدفع أعظم غصة”!

البحث عن مبررات شرعية في حالتنا هذه لا يعبر عن جدية في التفكير. هو ترقيع ليس غير!

أخيرا أقول، إن المنهج التبريري، والمفاضلة بين السيء والأسوء، والاختيار بين أقل الضررين…الخ، إذا تنزلنا وتفهمنا منهج القوم، فإن هذا المنهج لا يخرج الأمة من أزمتها الفكرية والسياسية والحضارية، لأنه منهج يلتمس أحكاماً فقهية استثنائية للإبقاء على الحالة الاستثنائية التي تعيشها الأمة! فتصير الحالة الاستثنائية أصلاً!

فالأمة وفق هذا المنهج بحاجة لأكل الخنزير وشرب الخمرة وبلع الربا وتعطيل الحدود والحكم بالديمقراطية وتبني العلمانية وتطبيع العلاقة مع كيان يهود والسير في مشاريع أميركا الاستعمارية…صار هذا هو الأصل وهذا هو الواقع، أما الدعوة إلى التحرير والخلافة على منهاج النبوة والحياة الاسلامية، فمثال وخيالات وأحلام!