متحدون ضد الإرهاب – تركي الفيصل

626

في سبتمبر (ايلول) 1973، جرى تعييني في مكتب التفاهم الخارجي، الذي تم تفويضه للعمل مع وكالات الاستخبارات الصديقة، بما في ذلك «وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية» (سي.آي.ايه). وبقيت منذ ذلك الحين وحتى 31 اغسطس (آب) 2001، عندما تقاعدت بعد عملي كمدير للإدارة العامة للمخابرات، معايشاً بصورة مباشرة جميع جهود الحكومة السعودية في الحرب ضد الارهاب.

عملت الادارة العامة للمخابرات ووكالة الاستخبارات المركزية الاميركية معاً لمكافحة المنظمات الإرهابية ذات التوجه الشيوعي حول العالم، إذ تبادلنا المعلومات حول «أبو نضال»، إلى جانب منظمة «الألوية الحمراء» الإيطالية، و«بادر ماينهوف» الألمانية، و«الجيش الأحمر الياباني»، بالإضافة إلى الكثير من المنظمات والمجموعات الأخرى التي تهدد المصالح الأميركية ـ السعودية.

وعندما غزا السوفيات أفغانستان في ديسمبر (كانون الأول) 1979، دخلت السعودية والولايات المتحدة في برنامج سري مع باكستان لمساعدة الشعب الأفغاني في مقاومة الغزاة.

عايشت، خلال عملي مديراً عاماً للمخابرات السعودية، في أوقات كثيرة صعبة الخلافات بين دولتينا. فخلال تلك الفترة، جمعت بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة علاقات وثيقة، وناقشتا خلافاتهما بصراحة وانفتاح. اتفقنا كثيراً على أن نختلف، لكننا كنا نعترف باستمرار بالمنافع المتبادلة لعلاقة الشراكة بين الطرفين. عايشت كذلك، الفترات التي وصلت فيها العلاقة بين البلدين إلى أوج قمتها، فاتفاقيات فك الارتباط بين مصر واسرائيل، من جهة، وسوريا وإسرائيل عامي 1975 و1976، من جهة أخرى، لم تكن لتأخذ مكانها من دون التعاون السعودي ـ الأميركي، كما أن زيادة السعودية لإنتاج النفط، في منتصف الثمانينات، وهي الخطوة التي أدت إلى خفض أسعار النفط ومهدت السبيل أمام فترة ازدهار عالمي، وانسحاب القوات الاسرائيلية من لبنان عام 1982، ومساهمة السعودية في القتال ضد «الكونترا» في نيكاراغوا، ربما لم تكن لتقع كذلك، لولا التعاون السعودي ـ الأميركي. وخلال عقد التسعينات كان التعاون السعودي ـ الأميركي عاملاً رئيسياً في تحرير الكويت وتمهيد السبيل لانعقاد مؤتمر مدريد، الذي جمع بين إسرائيل ومصر والأردن وسوريا والفلسطينيين، لأول مرة بغرض التوصل إلى تسوية سلمية.

ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، التي تعتبر من دون أدنى شك، واحدة من أبشع الجرائم غدراً وبشاعةً في التاريخ. وكان بين مقترفي ذلك العمل البشع 15 سعودياً، أصابوا المواطن السعودي العادي بالحزن والصدمة. وجاءت إدانة القيادة السعودية لما حدث شاملة وفورية. فبوصف السعودية دولة عانت من الإرهابيين، خلال الأربعين عاماً السابقة، فقد تفهمنا بعض الحزن والألم الذي شعر به الأميركيون في ذلك اليوم. كان ذلك الحدث بالنسبة لي مفجعاً، إذ أنني خصصت حياتي العملية كلها لمكافحة مثل هذه الجرائم، كما تذكرت الألم والغضب الذي شعرت به عندما قتل والدي، الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز، نتيجة فعل إرهابي.

بصفتي مديراً للمخابرات العامة، كنت أعتبر أسامة بن لادن، لبعض الوقت، هدفاً لإدارة المخابرات. وعندما تبنى الإرهاب عام 1994، اتخذت الحكومة السعودية خطوة غير مسبوقة وجردته من جنسيتها. وفي عام 1996، عرض الرئيس السوداني تسليمه للسعودية، شريطة موافقتها على عدم محاكمته، بيد أن السعودية رفضت ذلك العرض، لأننا نريد أن يمثل بن لادن أمام العدالة. تبادلنا، في ذلك الوقت، وبتوجيه من القيادة السعودية، المعلومات التي حصلنا عليها حول بن لادن مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. وفي عام 1997، أسس الأمير سلطان بن عبد العزيز، وزير الدفاع، لجنة استخباراتية مشتركة لتبادل المعلومات حول الإرهاب، بصورة عامة، وحول بن لادن و«القاعدة» على وجه الخصوص.

بعد مرور عام على 11 سبتمبر، لاحظت الكثير من التغييرات التي طرأت على السعودية. أولاً، ثمة إدانة واسعة للتطرف هناك، فحتى أكثر مواطنينا تشدداً، بدأوا يؤيدون الاعتدال. أما القيادة السعودية- بشقيها العلماني والديني-  فقد حذرت الذين لا يزالوا يؤيدون الأفكار المتطرفة.

الإصلاحات السعودية تتواصل على نحو مطرد، فصحافتنا تتبع نهجاً منفتحاً بصورة متزايدة، فضلاً عن أن وسائل إعلامنا تنقل نقداً صريحاً للحكومة والمشكلات الاجتماعية. يضاف إلى ذلك، أن نظامنا القضائي يشهد حركة إصلاح، وبات التمثيل القانوني الكامل للمتهم أمراً إلزامياً. الشرطة باتت الآن مطالبة باتباع إجراءات قضائية متشددة في إصدار المذكرات وحبس المتهمين وإبلاغ أقرب الأقرباء عند حبس متهم بغرض التحقيق.

كما أن نخبة على مستوى رفيع قد عُهد إليها القيام بإعادة النظر بنظامنا التربوي والتعليمي وإصلاحه، ويمكن افتتاح جامعات خاصة الآن، لتتنافس مع القطاع التربوي الحكومي.

بدأنا أيضاً في إصدار بطاقات هوية للنساء، اعترافاً بحقوقهن تحت القانون الإسلامي، وهي حقوق تشتمل على حرية القيام بإجراء مالي وتأسيس عمل تجاري، إلى جانب حقوق أخرى.  كما أن التعليم النسائي قد تم تحويله من السلطات الدينية إلى وزارة المعارف، المسؤولة أيضاً عن تعليم الذكور.

كل هذه التطورات وغيرها، مما ذكرت آنفاً، جاءت عقب وقوع أحداث 11 سبتمبر. بعضها كان قيد الإجراء قبل ذلك، ولكن المشاهد البشعة لأحداث 11 سبتمبر، والتهديد الذي يشكله الإرهاب على الشعوب المتحضرة، سرعت جميعها من عملية التغيير وإعادة النظر من جانبنا.

عملت المملكة العربية السعودية مع الولايات المتحدة على مدى السبعين عاماً الماضية على نحو أدى إلى استفادة الدولتين من هذه الشراكة الثابتة. ولنتذكر أن البلدين يواجهان الخطر نفسه، فأسامة بن لادن استهدف السعودية قبل استهدافه الولايات المتحدة.

ينتمي لمنظمة «القاعدة» آلاف من الاتباع، يتحدرون مما يزيد على ستين دولة، بما فيها دول حليفة للولايات المتحدة. إذ أن اختيار بن لادن 15 سعودياً لعصابة القتلة، في وقت لم يكن يعرف فيه الكثير منهم، كما يتباهى، حتى الهدف النهائي لمهمته، أمر لا يمكن تفسيره سوى أنه جاء كمحاولة لإفساد العلاقة الوثيقة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة.

في الولايات المتحدة، من يحكم على كل السعوديين بأنهم غير متحضرين، ومنغلقين وهمجيين، بيد أن هذه الاتهامات التعميمية غير جديرة بالشعب الأميركي. فلنفوت على المتطرفين فرصة تحقيق انتصار بإضعاف الشراكة القائمة بين بلدينا، ولنظل أقوياء. ومهما رأينا من عيوب في بعضنا بعضاً يجب أن نواجهها ونتغلب عليها معاً، على نهج يقوم على روح الاحترام المتبادل والانفتاح.

واشنطن بوست

https://www.washingtonpost.com/archive/opinions/2002/09/17/allied-against-terrorism/8215fbcb-5a6a-4696-8e88-a539fdb38a9d/?noredirect=on&utm_term=.b65ff3d99648

17 سبتمبر 2002 م