لا حياء من الدين!

230

كان البعض يشكك في وجود شيء اسمه الشارع العربي ويعتبره قريب الى الأسطورة والخيال.  اليوم صار الشارع العربي حديث العالم، تحرك وزمجر وأسقط حاكمين وهو في طريقه لإسقاط الكثير!

وسط هذه الحركة المشاعرية القوية تبرز الحاجة إلى حركة فكرية متناسبة؛ تحدد الغاية وترسم الطريق، فالمشاعر والشارع باستطاعتهما اسقاط الحكام ولكن من غير الأفكار المحددة ستكون غايات شتى وطرق عدة!

أما وأن الأحداث تجري في منطقة غالبية أهلها من المسلمين، فمن الطبيعي أن تكون الغاية والبديل للأوضاع القائمة نابعة من الإسلام الذي يمثل قناعات الناس. ومن غير الطبيعي أن تتوارى الفكرة الإسلامية خلف أسوار من الانهزام النفسي أو الميوعة الفكرية !

قبل الاستطراد في المقال، وبوضوح أقول إن المشروع الإسلامي المبدئي هو استئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة، التي تطبق الإسلام كاملا في الداخل وتحمله للخارج بالدعوة والجهاد.

أمّا كيف يظهر هذا المشروع فبالدعوة له بشكل يميزه عن غيره ولا يختلط به. فإن لم يكن ثمة دعوة فلا مشروع، وإن لم يكن ثمة تميز فهلامية وميوعة يسيح فيها البديل ويختلط الحابل بالنابل!

وطبيعة المشروع السياسي الإسلامي أنه يستهدف السلطة لاستلام الحكم بكل وضوح ومن غير مواربة.ومن نافلة القول أن هذا الاستهداف لا يكون لذات السلطة، إنما هو طريقة لتطبيق الاسلام في واقع الحياة.  ومن غريب القول أننا لسنا طلاب سلطة ولا نريد الحكم! كيف ذلك والرسول صلى الله عليه وسلم قد استهدف السلطة بشكل مباشر من خلال طلبه للنصرة مرات ومرات؟!

فدعوته عليه السلام كانت واضحة والعرب قد فهموها كما هي؛ تغيير المجتمع بإقامة كيان سياسي متميز منفصل تمام الانفصال عما قبله.

فقد جاء في السيرة، أن النبي عليه السلام دعا قبيلة بني عامر بن صعصعة وطلب منهم النصرة فقالوا له : أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فقال لهم : ( الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء) فقالوا: أنهدف نحورنا للعرب دونك، حتى إذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا! لا حاجة لنا بأمرك ) فأعرض عنهم النبي عليه السلام وفاتت فرصة الدهر على تلك القبيلة!

هنا، لابد من استحضار الصورة التي كان عليها النبي عليه السلام وأصحابه، من حصار وملاحقة وتعذيب وقتل، فيتوفر مثل هذا العرض اللافت للنظر للنصرة وإقامة دولة، ولكنه عرض مشروط بجزئية يراها ساسة اليوم محتملة وغير ذات أهمية كبيرة، ولكنه الرفض المبدئي الذي لا يقبل إلا الفكرة والطريقة كاملة غير منقوصة.

أين هذه المبدئية من نهج مد الجسور إلى الحركات المعارضة الأخرى، وصياغة برامج مشتركة مع العلمانيين والشيوعيين، والتأسيس على أهداف مشتركة يوافق عليها الجميع من غير إثارة أحد في الداخل أو الخارج؟!

أين هذا الوضوح النبوي من نهج إخفاء صوت الإسلام مؤقتاً والانتظار الخجول خلف الصفوف، وتنكيس الشعارات المميزة؟

جاء في إحدى روايات بيعة العقبة الثانية، بيعة الحرب، قول النبي عليه السلام لوفد المدينة ( …وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يقولها لا يبالي في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني وتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه انفسكم وأزواجكم وأبناءكم).

“يقولها لا يبالي في الله لومة لائم” في مفرداتنا المعاصرة تعني لا نخشى أن يقال عنا متطرفون، ظلاميون، إن نحن دعونا لإقامة الدولة الاسلامية. فهذا الخوف أو الحياء أو الهاجس لا يصلح لنصرة الاسلام كما نصره الأنصار من قبل.  وكما جاء في نفس البيعة قول أسعد بن زرارة، أحد الأنصار ( إن إخراجه اليوم منازعة العرب كافة، وقتل خياركم، وان تعضكم السيوف). أي في مفرداتنا المعاصرة كذلك؛ أنه في إظهار الإسلام كدولة خلافة مفارقة الأمم المتحدة والشرعة الدولية والمعاهدات الباطلة…الخ.  فإقامة الدولة الإسلامية انقلاب على جميع الأوضاع القائمة المخالفة للإسلام.

وفي نفس السياق، وفي ذات الحادثة، قال أحد الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم (إن بيننا وبين الرجال حبالا ، وإنا قاطعوها – يعني اليهود – فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟).  ها هنا إدراك تام أن الأقدام على النصرة هو بداية عهد جديد تقطّع فيه جميع الأحلاف والعهود السابقة، هو كيان جديد لا يشبه شي من قبله، وليس تعديل مواد في دستور أو إطاحة برجال فاسدين والإتيان بغيرهم، بل هو قطيعة مع العهد البائد وبداية عهد جديد.