ويكيليكس تكشف حقيقة مبدأ وحضارة

1160

شغلت تسريبات ويكيليكس العالم بكشفها لجرائم القتل والتعذيب والتدمير وغيرها من فظائع، قام بها الجيش الأميركي في العراق أو تستر عليها. ولكن بعيدا عن تفاصيل التسريبات وسياقاتها السياسية، أقول إن هذا الحدث الكبير “يؤكد” على حقيقة المبدأ الذي تقوم عليه الدولة الأميركية ويجسد الحضارة الغربية الرأسمالية بشكل عام.
فلا جدال في اعتبار أميركا رأس حربة المبدأ الرأسمالي في العصر الحديث، وهي التجلّي الواقعي والعملي للأفكار والأنظمة الرأسمالية الديمقراطية، وهي بلا شك محط أنظار العالم والنموذج والقدوة لمن أراد اللحاق بركب الحضارة الغربية. فيمكن اعتبار أميركا باختصار طليعة الحضارة الغربية الرأسمالية.
ومن جهة ثانية، فإن طبيعة الدول والأمم الرساليةصاحبة الدعوة العالمية – أنها تنشئ جيوشا على أعلى مستوى من المهنية والأخلاق، بحيث تعكس العسكرية الصورة الناصعة للأفكار وتطبيقاتها، فتكون الجيوش طليعة الدولة المبدئية الرسالية.
[quote_box_right]لذا، فإنه بحق، يمكن اعتبار ما كشفه موقع ويكيليكس، صالحا للهجوم على طليعة الطليعة؛ طليعة المبدأ الرأسمالي، والطليعة في الدولة الرأسمالية النموذجية[/quote_box_right]

أما لماذا كلمة يؤكد التي جاءت بين هلالين في بداية المقال، فلأن فظائع الجيش الأميركي ليست بالشيء الجديد واقعيا وتاريخيا، ولأن الطبيعة المادية المتوحشة في المبدأ الرأسمالي الديمقراطي كذلك ليست غريبة على من ينظر لأصل المبدأ وتطبيقاته بشكل موضوعي. ولكن من استُلب ذهنه وقبل بالهزيمة الفكرية والنفسية، لا يمكن أن ينظر للأمر إلا أنه تطبيق سيئ لبعض العسكر وخروج بسيط عن النص، أو أن يبرر فيقول : حال أبو غريب وغوانتانامو لا يقارن أبدا بمعتقلات صدام حسين وأقرانه من طغاة العالم الثالث، فـ”نحن أحسن منغيرنا”!

على أية حال، عودة إلى طليعة الطليعة، فأقول لمن لا يعرف وأذكّر من نسي، أن أميركا نشأت على إبادة الملايين من الهنود الحمر، وسرقة ممتلكاتهم، وتحويل من بقي منهم إلى مشردين، محبطين، يعيشون في العالم السفلي للمدن الأميركية.
والحقيقة أن ثمة مراجع متعددة توثق ما جرى في تلك الحقبة المظلمة من حياة البشر، ومن ضمن ما أُلّف في هذا المجال كتاب “ حق التضحية بالآخر- أميركا والإبادات الجماعية” لمؤلفه منير العكش، الذي نقل وثائق تثير الغثيان وشهادات يشيب لها شعر الولدان.
ومما يذكره المؤلف أن “ وليم برادفورد حاكم مستعمرة بليموث يرى أن نشر هذه الأوبئة بين الهنود عمل يدخل السرور والبهجة على قلب الله” فمما يرضي الله ويفرحه أن تزور هؤلاء الهنود وأنت تحمل إليهم الأمراض والموت. هكذا يموت 950 من كل ألف منهم، وينتن بعضهم فوق الأرض دون أن يجد من يدفنه. إن على المؤمنين أن يشكروا الله على فضله ونعمته”.
وفي عام 1780 “أصدر جورج واشنطن أوامره إلى الجنرال جون سوليفان بأن يحيل مساكن هنود الأوروكوا إلى خراب، وأن لا يصغي لنداء السلام حتى تمحى قراهم ومدنهم وآثارهم من وجه الأرض. وبعد أن نفذ الجنرال أوامر واشنطن كتب إليه يبشره بتحويل هذه “ المنطقة الجميلة من حديقة بديعة إلى أطلال مهجورة تثير الرعب والمقت”. وفي رسالة إلى جيمس دواين السناتور والمفوض السابق للشؤون الهندية قال جورج واشنطن “إن طرد الهنود من أوطانهم بقوة السلاح لا يختلف عن طرد الوحوش المفترسة من غاباتها”.
إن ما حصل حينئذ، هو إبادة لملايين من البشر ينتمون إلى أكثر من أربعمائة أمة وشعب في جريمة لم يعرف التاريخ الإنساني مثيلا لها.
[quote_box_right]والمثير حقا، أن ما حصل حينئذ كان في عصر التطبيق الأمثل والنموذجي للأفكار العلمانية الرأسمالية الديمقراطية الجديدة. فتلك كانت الدولة الأميركية الفتية، وأولئك كانوا “الآباء المؤسسين” للحضارة والأمة الجديدة! فأي حضارة وأية أمة هذه، يكون آباؤها مدمني جز رؤوس وناشري أوبئة![/quote_box_right]

هل توقفت الحضارة الغربية عن إنتاج هكذا مشاهد دموية؟ كلا!
فمما هو معلوم، أن تجارة الرقيق الأسود، واستعباد الناس بعد أن ولدتهم أمهاتهم أحرارا كانت شيمة أميركا الحرة صاحبة الحق والعدل، عندما ارتكبت أعظم جريمة إبادة وتهجير في تاريخ البشر، باصطياد الرقيق الأسود وأسرهم من سواحل أفريقيا خلال القرنين الثامن والتاسع عشر- قرون التنوير والاستنارة!- ثم شحنهم وقد هلك الملايين منهم في البحر، ليصلوا إلى العالم الجديد وقد عانوا من العذاب والجوع والقهر.
يقول الدكتور المسيري “لم يكن لدى الإنسان الغربي ما يميزه، ولكن كان عنده رؤية مادية لا ترى سوى الوظيفة الاستعمالية للأشياء، لذلك قام بعمليلات نهب تاريخية لم تحدث من قبل، وتولى إبادة الجنس الأحمر في أميركا الشمالية، كان عدد سكان المكسيك عندما وصل الإنسان الأبيض 30 مليونا، وفي عدة سنوات تناقص العدد ليصبح مليونا واحدا بسبب عمليات الإبادة الهائلة. وحدث الشيء نفسه للجنس الأسود حيث يقال إنه – أي الإنسان الأبيض- نقل عشرة ملايين لتسخيرهم عبيدا، أباد 9 ملايين !! كتاب “ حوارات مع الدكتور عبد الوهاب المسيري: العلمانية والحداثة والعولمة”.
أما في الحرب العالمية الثانية ففي معركة واحدة دمرت الطائرات الأميركية بالقذائف والنابالم الحارق في طلعة جوية واحدة 61 ميلا مربعا، وقتلت 100 ألف شخص في عمليات جحيم مستعر شمل طوكيو و46 مدينة يابانية أخرى.
ناهيك عن قنبلتي هيروشيما وناجازاكي التي حصدت اليابانيين، بلا تفريق بين مدني وعسكري، أو رجل وامرأة وطفل.
وينقل لنا منير العكش مرة أخرى من تفاصيل حرب فيتنام أنه “في عملية قتالية أشرفت عليها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في فيتنام بين عام 1968 ومنتصف عام 1971، أُطلق عليها عملية العنقاء، كان برنامج العملية يقتضي تصفية كل من يشتبه بأنه من الفيتكونغ او يتعاطف معهم بمعدل 1800 فيتنامي شهريا على أقل تقدير. يروي بارتون أوسبورن أحد ضباط العملية في شهادة له أمام لجنة الكونغرس للشؤون العسكرية لعام 1973 صورة مما يجري أثناء التحقيق فيقول : “ كنت أنظر في قضية مشتبه يقول أحد عملائي إنه متعاطف مع الفيتكونغ. وكان التحقيق يجري في مجمّع التجسس المضاد لفرق المارينز. وحين دخلت لمتابعة ما يجري كان الرجل فارق الحياة بعد أن دكّوا في فتحة أذنه سيخا حديديا طوله ست بوصات اخترق دماغه وقتله.. لقد كانت حرب إبادة منظمة”.

أتوقف هنا قبل أن يشعر القارئ بالغثيان، ولكن هل ستتوقف الليبرالية الديمقراطية عن إنتاج وتصدير الشرور؟